فإن قيل : يلزم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع إذ جوز له الشراء من يتيمه ، فالجواب
أن ذلك لا يلزم ، وإنما يكون ذلك ذريعة فما يؤدى من الافعال المحظورة إلى محظورة
منصوص عليها ، وأما ها هنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة ، ووكل الحاضنين في ذلك
إلى أمانتهم بقوله : " والله يعلم المفسد من المصلح " وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه
المكلف إلى أمانته لا يقال فيه : إنه يتذرع إلى محظور به فيمنع منه ، كما جعل الله النساء
مؤتمنات على فروجهن ، مع عظيم ما يترتب على قولهن في ذلك من الاحكام ، ويرتبط به من
الحل والحرمة والأنساب ، وإن جاز أن يكذبن . وكان طاوس إذا سئل عن شئ من أمر
اليتامى قرأ : " والله يعلم المفسد من المصلح " . وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه في مال
اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له ، ذكره البخاري . وفى هذا دلالة على جواز
الشراء منه لنفسه ، كما ذكرنا . والقول الآخر أنه لا ينبغي للولي أن يشترى مما تحت يده شيئا ،
لما يلحقه في ذلك من التهمة إلا أن يكون البيع في ذلك بيع سلطان في ملا من الناس .
وقال محمد بن عبد الحكم : لا يشترى من التركة ، ولا بأس أن يدس من يشترى له منها إذا
لم يعلم أنه من قبله .
السادسة - قوله تعالى : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) هذه المخالطة كخلط المثل
بالمثل كالتمر بالتمر . وقال أبو عبيد : مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على
كافله أن يفرد طعامه عنه ، ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه
كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله ، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان ، فجاءت هذه الآية
الناسخة بالرخصة فيه . قال أبو عبيد : وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الاسفار فإنهم
يتخارجون النفقات بينهم بالسوية ، وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته ، وليس كل من قل
مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه ، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان في غيرهم
أوسع ، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الامر على الناس .
( 5 - 3 )
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 65
مساهمون: القرطبي
ص٦٥