أكل لحوم الحمر الأهلية ، وكل ذي ناب من السباع مع قوله : " قل لا أجد ( 1 ) " . وكالمسح
على الخفين ، والقرآن إنما ورد بغسل الرجلين أو مسحهما ، ومثل هذا كثير . ولو جاز
أن يقال : إن القرآن نسخ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد ، لجاز أن يقال :
إن القرآن في قوله عز وجل : " وأحل الله البيع وحرم الربا " وفى قوله : " إلا أن تكون
تجارة عن تراض منكم ( 2 ) " ناسخ لنهيه عن المزابنة وبيع الغرر وبيع ما لم يخلق ، إلى سائر ما نهي
عنه في البيوع ، وهذا لا يسوغ لاحد ، لان السنة مبينة للكتاب . فإن قيل : إن ما ورد من
الحديث قضية في عين فلا عموم . قلنا : بل ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة ، فكأنه قال :
أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم باليمين مع الشاهد . ومما يشهد لهذا التأويل ما رواه
أبو داود في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق ،
ومن جهة القياس والنظر أنا وجدنا اليمين أقوى من المرأتين ، لأنهما لا مدخل لهما في اللعان
واليمين تدخل في اللعان . وإذا صحت السنة فالقول بها يجب ، ولا تحتاج السنة إلى ما يتابعها ( 3 ) ،
لان من خالفها محجوج بها . وبالله التوفيق .
الموفية ثلاثين - وإذا تقرر وثبت الحكم باليمين مع الشاهد ، فقال القاضي أبو محمد
عبد الوهاب : ذلك في الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان ، للاجماع على ذلك من كل
قائل باليمين مع الشاهد . قال : لان حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان ، بدليل ( 4 ) قبول
شهادة النساء فيها . وقد اختلف قول مالك في جراح العمد ، هل يجب القود فيها بالشاهد
واليمين ؟ فيه روايتان : إحداهما أنه يجب به التخيير بين القود والدية . والأخرى أنه لا يجب
به شئ ، لأنه من حقوق الأبدان . قال : وهو الصحيح . قال مالك في الموطأ : وإنما يكون
ذلك في الأموال خاصة ، وقال عمرو بن دينار . وقال المازري ( 5 ) : يقبل في المال المحض من
غير خلاف ، ولا يقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف . وإن كان مضمون الشهادة
هامش
( 1 ) راجع ج 7 ص 115 .
( 2 ) راجع ج 5 ص 151 .
( 3 ) في ط وه : من يتابعها .
( 4 ) في ه وط : بدلالة .
( 5 ) المارزي : أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي الفقيه
المالكي ، توفى سنة ست وثلاثين وخمسمائة والمازري بفتح الميم وبعدها ألف ثم زاي مفتوحة وقد كسرت أيضا ثم راء ،
هذه النسبة إلى " مازر " وهي بليدة بجزيرة صقلية . ( عن أبن خلكان ) .