بأنها في السر أفضل منها في الجهر ، بيد أن علماءنا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه ،
والتحقيق فيه أن الحال [ في الصدقة ( 1 ) ] تختلف بحال المعطى [ لها ( 1 ) ] والمعطى إياها والناس
الشاهدين [ لها ( 1 ) ] . أما المعطى فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة .
قلت : هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء ، وأما من ضعف عن
هذه المرتبة فالسر له أفضل .
وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له ،
أو نسبته إلى أنه أخذها مع
الغنى عنها وترك التعفف ، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم ، من جهة أنهم
ربما طعنوا على المعطى لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء ، ولهم فيها تحريك القلوب
إلى الصدقة ، لكن هذا اليوم قليل " .
وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى ،
فكان يأمر بقسم الزكاة في السر . قال ابن عطية : وهذا مردود ، لا سيما عند السلف
الصالح ، فقد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل .
قلت : ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا
أولى ، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه ، على ما هو أحد قولي الشافعي .
وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات هاهنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أولى
لئلا يلحقه تهمة ، ولأجل ذلك قيل : صلاة النفل فرادى أفضل ، والجماعة في الفرض أبعد عن
التهمة . وقال المهدوي : المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به ، فكان الاخفاء أفضل
في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك ، فاستحسن العلماء ( 2 ) إظهار
الفرائض لئلا يظن بأحد المنع . قال ابن عطية : وهذا القول مخالف للآثار ، ويشبه في زماننا
أن يحسن التستر بصدقة الفرض ، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء . وقال
ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع ، لأنه ذكر الاخفاء
هامش
( 1 ) الزيادة عن ابن العربي .
( 2 ) في ب : الناس .