من الصحف وغيرها ، لأنه قال لأولئك : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( 1 ) " . وسمى هذا خيرا
كثيرا ، لان هذا هو جوامع الكلم . وقال بعض الحكماء : من أعطى العلم والقرآن ينبغي أن
يعرف نفسه ، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم ، فإنما أعطى أفضل ما أعطى أصحاب
الدنيا ، لان الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال : " قل متاع الدنيا قليل " وسمى العلم والقرآن
" خيرا كثيرا " . وقرأ الجمهور " ومن يؤت " على بناء الفعل للمفعول . وقرأ الزهري ويعقوب
" ومن يؤت " بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة ، فالفاعل اسم الله عز وجل .
و " من " مفعول أول مقدم ، والحكمة مفعول ثان . والألباب : العقول ، واحدها لب
وقد تقدم ( 3 ) .
قوله تعالى : وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه
وما للظالمين من أنصار ( 270 )
شرط وجوابه ، وكانت النذور من سيرة العرب تكثر منها ، فذكر الله تعالى النوعين ،
ما يفعله المرء متبرعا ، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه . وفى الآية معنى الوعد والوعيد ، أي من
كان خالص النية فهو مثاب ، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك
فهو ظالم ، يذهب فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه . ومعنى " يعلمه " يحصيه ، قاله مجاهد .
ووحد الضمير وقد ذكر شيئين ، فقال النحاس : التقدير ( وما أنفقتم من نفقة ) فإن الله
يعلمها ، ( أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ) ثم حذف . ويجوز أن يكون التقدير : وما أنفقتم
فإن الله يعلمه وتعود الهاء على " ما " كما أنشد سيبويه [ لامرئ القيس ( 4 ) ] :
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمال ( 5 )
ويكون " أو نذرتم من نذر " معطوفا عليه . قال ابن عطية : ووحد الضمير في " يعلمه "
وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص .
هامش
( 1 ) راجع ج 10 ص 323
( 2 ) راجع ج 5 ص 281
( 3 ) راجع المسألة الرابعة عشرة ج 2 ص 412
( 4 ) الزيادة في ب .
( 5 ) وتوضح والمقراة : موضعان ، وهما عطف على " حومل " في البيت قبلة .