ثناؤه على عظيم من خلقه ، قد ذلله للصغير ، يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من
الحمل وهو بارك ، فينهض بثقيل حمله ، وليس ذلك في شئ من الحيوان غيره . فأراهم
عظيما من خلقه ، مسخرا لصغير من خلقه ، يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته . وعن
بعض الحكماء : أنه حدث عن البعير وبديع خلقه ، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها ، ففكر ثم
قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق . وحين أراد بها أن تكون سفائن البر ، صبرها على
احتمال العطش ، حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدا ، وجعلها ترعى كل شئ نابت في البراري
والمفاوز ، مما لا يرعاه سائر البهائم . وقيل : لما ذكر السرر المرفوعة قالوا : كيف نصعدها ؟
فأنزل الله هذه الآية ، وبين أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم ، فكذلك تلك السرر تتطامن
ثم ترتفع . قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما . وقيل : الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب ،
قاله المبرد . قال الثعلبي : وقيل في الإبل هنا : السحاب ، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة .
قلت : قد ذكر الأصمعي أبو سعيد عبد الملك بن قريب ، قال أبو عمرو : من قرأها
" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " بالتخفيف : عنى به البعير ، لأنه من ذوات الأربع ،
يبرك فتحمل عليه الحمولة ، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم . ومن قرأها
بالتثقيل فقال : " الإبل " ( 1 ) ، عني بها السحاب التي تحمل الماء والمطر . وقال الماوردي : وفي الإبل
وجهان : أحدهما : وهو أظهرهما وأشهرهما : أنها الإبل من النعم . الثاني : أنها السحاب .
فإن كان المراد بها السحاب ، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته ، والمنافع العامة لجميع خلقه .
وإن كان المراد بها الإبل من النعم ، فلان الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان ، لان ضروبه
أربعة : حلوبة ، وركوبة ، وأكولة ، وحمولة . والإبل تجمع هذه الخلال الأربع ، فكانت
النعمة بها أعم ، وظهور القدرة فيها أتم . وقال الحسن : إنما خصها الله بالذكر لأنها تأكل
النوى وألقت ، وتخرج اللبن . وسئل الحسن أيضا عنها وقالوا : الفيل أعظم في الأعجوبة :
فقال : العرب بعيدة العهد بالفيل ، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه ، ولا يركب ظهره ، ولا يحلب
هامش
( 1 ) في البحر المحيط : ( قرأ الجمهور بكسر الباء وتخفيف اللام . الأصمعي عن أبي عمرو وبإسكان الباء . وعلى
وابن عباس بشد اللام ، ورويت عن أبي عمرو وأبي جعفر والكسائي ، وقالوا إنها السحاب ) .