الزهد في الدنيا . وثالثها : الرياء بالقول ، بإظهار التسخط على أهل الدنيا ، وإظهار الوعظ
والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة . ورابعها : الرياء بإظهار الصلاة والصدقة ،
أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس ، وذلك يطول ، وهذا دليله ، قاله ابن العربي .
قلت : قد تقدم في سورة " النساء وهود وآخر الكهف " ( 1 ) القول في الرياء وأحكامه
وحقيقته بما فيه كفاية . والحمد لله .
الخامسة - ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة ، فمن حق
الفرائض الاعلان بها وتشهيرها ، لقوله عليه السلام : [ ولا غمة ( 2 ) في فرائض الله ] لأنها أعلام
الاسلام ، وشعائر الدين ، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت ، فوجب إماطة التهمة بالاظهار ،
وإن كان تطوعا فحقه أن يخفي ، لأنه لا يلام تركه ولا تهمة فيه ، فإن أظهره قاصدا للاقتداء
به كان جميلا . وإنما الرياء أن يقصد بالاظهار أن تراه الأعين ، فتثنى عليه بالصلاح . وعن بعضهم
أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر فأطالها ، فقال : ما أحسن هذا لو كان في بيتك .
وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة . وقد مضى هذا المعنى في سورة " البقرة " ( 3 ) عند
قوله تعالى : " إن تبدو الصدقات " [ البقرة : 271 ] ، وفي غير موضع . والحمد لله على ذلك .
السادسة - قوله تعالى : ( ويمنعون الماعون ) فيه اثنا عشر قولا : الأول - أنه
زكاة أموالهم . كذا روى الضحاك عن ابن عباس . وروى عن علي رضي الله عنه مثل ذلك ،
وقاله مالك . والمراد به المنافق يمنعها . وقد روى أبو بكر ( 4 ) بن عبد العزيز عن مالك قال :
بلغني أن قوله الله تعالى : " فويل للمصلين . الذين هم على صلاتهم ساهون . الذين هم
يراءون . ويمنعون الماعون " قال : إن المنافق إذا صلى صلى رياء ، وإن فاتته لم يندم عليها ،
" ويمنعون الماعون " الزكاة التي فرض الله عليهم . قال زيد بن أسلم : لو خفيت لهم
الصلاة كما خفيت لهم الزكاة ما صلوا . القول الثاني - أن " الماعون " المال ، بلسان
هامش
( 1 ) راجع ج 5 ص 181 وج 9 ص 13 وج 11 ص 70 .
( 2 ) أي لا تستر ولا تخفى فرائضه ،
وإنما تظهر وتعلن ويجهر بها .
( 3 ) راجع ج 3 ص 332 .
( 4 ) في بعض نسخ الأصل : ( أبو عمر )
وفي بعضها : ( أبو عبد ) . وفي ابن العربي : ( أبو بكر بن عبد العزيز ) .