فكانت الملة والشريعة سواء ، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشريعة ، فإن الملة
والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله ، والدين ما فعله العباد عن أمره .
الثانية - تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد
ابن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة ، لقوله تعالى : " ملتهم " فوحد الملة ، وبقوله
تعالى : " لكم دينكم ولي دين ( 1 ) " ، وبقوله عليه السلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ) على أن
المراد به الاسلام والكفر ، بدليل قوله عليه السلام : ( لا يرث المسلم الكافر ) . وذهب مالك
وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل ، فلا يرث اليهودي النصراني ، ولا يرثان المجوسي ،
أخذا بظاهر قوله عليه السلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ) ، وأما قوله تعالى : " ملتهم "
فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة ، كما تقول :
أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم ، وسمعت عليهم حديثهم ، يعني علومهم وأحاديثهم .
قوله تعالى : " قل إن هدى الله هو الهدى " المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدى الله
الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي ، لا ما يدعيه هؤلاء .
قوله تعالى : " ولئن اتبعت أهواءهم " الأهواء جمع هوى ، كما تقول : جمل وأجمال ،
ولما كانت مختلفة جمعت ، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم . وفي هذا الخطاب وجهان :
أحدهما - أنه للرسول ، لتوجه الخطاب إليه . والثاني - أنه للرسول والمراد به أمته ،
وعلى الأول يكون فيه تأديب لامته ، إذ منزلتهم دون منزلته . وسبب الآية أنهم كانوا يسألون
المسالمة والهدية ، ويعدون النبي صلى الله عليه وسلم بالاسلام ، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه
حتى يتبع ملتهم ، وأمره بجهادهم .
قوله تعالى : " من العلم " سئل أحمد بن حنبل عمن يقول : القرآن مخلوق ، فقال :
كافر ، فقيل : بم كفرته ؟ فقال : بآيات من كتاب الله تعالى : " ولئن اتبعت أهواءهم
من بعد ما جاءك من العلم ( 2 ) " والقرآن من علم الله . فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر .
هامش
( 1 ) راجع ج 20 ص 229 .
( 2 ) راجع ج 9 ص 326 .