الثاني - أن الله عز وجل عالم بما هو كائن قبل كونه ، فكانت الأشياء التي لم تكن
وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة ، فجاز أن يقول لها : كوني . ويأمرها
بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود ، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم .
الثالث - أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه
وإنشاءه كان ، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله ، وإنما هو قضاء يريده ، فعبر عنه
بالقول وإن لم يكن قولا ، كقول أبي النجم :
* قد قالت الاتساع للبطن الحق *
ولا قول هناك ، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن ، وكقول عمرو بن حممة الدوسي :
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه * إذا رام تطيارا يقل له قع
وكما قال الآخر :
قالت جناحاه لساقيه الحقا * ونجيا لحمكما أن يمزقا
قوله تعالى : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية
كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشبهت قلوبهم قد بينا
الآيات لقوم يوقنون ( 118 )
قوله تعالى : " وقال الذين لا يعلمون قال ابن عباس : هم اليهود . مجاهد : النصارى ، ورجحه الطبري ، لأنهم المذكورون في الآية أولا . وقال الربيع والسدي وقتادة : مشركو
العرب . و " لولا " بمعنى " هلا " تحضيض ، كما قال الأشهب بن رميلة ( 1 ) :
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطري لولا الكمي المقنعا
هامش
( 1 ) كذا في الأصول . وقال البغدادي صاحب خزانة الأدب : " نسبه ابن الشجري في أماليه للأشهب ، والصحيح
أنه من قصيدة لجرير ، لا خلاف بين الرواة أنها له ، وهي جواب عن قصيدة تقدمت لفرزدق على قافيها " . وقضية عقر
الإبل مشهورة في التواريخ . والنيب ( بكسر النون وسكون الياء جمع ناب ) : الناقة المسنة . وضوطرى : قيل : الرجل
الضخم اللئيم الذي لا غناء عنده . وقيل : الحمقى . والكمى : الشجاع . والمقنع : الذي على رأسه البيضة والمغفر .
راجع خزانة الأدب في الشاهد الرابع والستين بعد المائة . وكتاب المغنى في " لولا " والنقائض ص 833 طبع أوروبا ،
وذيل أمالي القالي .