وأجمعوا على أنه لا يجوز لاحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض إلا في الخوف الشديد
خاصة ، على ما يأتي بيانه .
واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة ، فقال مالك وأصحابه والثوري :
لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة ، قالوا : لان الاسفار التي حكي عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع فيها كانت مما تقصر فيه الصلاة . وقال الشافعي
وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن حي والليث بن سعد وداود بن علي : يجوز التطوع على
الراحلة خارج المصر في كل سفر ، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا ، لان الآثار ليس
فيها تخصيص سفر من سفر ، فكل سفر جائز ذلك فيه ، إلا أن يخص شئ من الاسفار
بما يجب التسليم له . وقال أبو يوسف : يصلي في المصر على الدابة بالايماء ، لحديث يحيى بن
سعيد عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماء . وقال الطبري :
يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن يتنفل على دابته وراحلته وعلى رجليه
[ بالايماء ] . وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنقل على الدابة في الحضر
والسفر . وقال الأثرم : قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر ، فقال : أما في السفر
فقد سمعت ، وما سمعت في الحضر . قال ابن القاسم : من تنفل في محمله تنفل جالسا ، قيامه
تربع ، يركع واضعا يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه . وقال قتادة : نزلت في النجاشي ، وذلك
أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه خارج المدينة ، فقالوا :
كيف نصلي على رجل مات ؟ وهو يصلي لغير قبلتنا ، وكان النجاشي ملك الحبشة - واسمه
أصحمة وهو بالعربية عطية - يصلي إلى بيت المقدس حتى مات ، وقد صرفت القبلة
إلى الكعبة فنزلت الآية ، ونزل فيه : " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ( 1 ) " فكان
هذا عذرا للنجاشي ، وكانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه سنة تسع من الهجرة .
وقد استدل بهذا من أجاز الصلاة على الغائب ، وهو الشافعي . قال ابن العربي : ومن
أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي : يصلي على الغائب ، وقد كنت ببغداد
هامش
( 1 ) راجع ج 4 ص 322 .