الثانية - معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة ، لا يستغني عن معرفته العلماء ،
ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه من النوازل في الاحكام ، ومعرفة الحلال من
الحرام . روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس ،
فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس ، فقال : ليس برجل يذكر الناس ! لكنه يقول
أنا فلان ابن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال : لا ،
قال : فأخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه . وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟
قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ! . ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما .
الثالثة - النسخ في كلام العرب على وجهين : أحدهما - النقل ، كنقل كتاب من آخر . وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا ، أعني
من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وهذا لا مدخل له في هذه الآية ،
ومنه قوله تعالى : " إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ( 1 ) " أي نأمر بنسخه وإثباته .
الثاني : الابطال والإزالة ، وهو المقصود هنا ، وهو منقسم في اللغة على ضربين :
أحدهما : إبطال الشئ وزواله وإقامة آخر مقامه ، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته
وحلت محله ، وهو معنى قوله تعالى : " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها " . وفي صحيح
مسلم : ( لم تكن نبوة قط إلا تناسخت ) أي تحولت من حال إلى حال ، يعني أمر الأمة .
قال ابن فارس : النسخ نسخ الكتاب ، والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به
ثم تنسخه بحادث غيره ، كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى . وكل شئ خلف شيئا فقد
انتسخه ، يقال : انتسخت الشمس الظل ، والشيب الشباب . وتناسخ الورثة : أن تموت
ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم ، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون .
الثاني : إزالة الشئ دون أن يقوم آخر مقامه ، كقولهم : نسخت الريح الأثر ، ومن هذا
المعنى قوله تعالى " فينسخ الله ما يلقي الشيطان ( 2 ) " أي يزيله فلا يتلي ولا يثبت في المصحف بدله .
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 175 .
( 2 ) راجع ج 12 ص 79 .