كان نبيا ! والله ما كان إلا ساحرا ، فأنزل الله عز وجل : " وما كفر سليمان ولكن الشياطين
كفروا " أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير
والشياطين كان سحرا . وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات ( 1 ) على لسان آصف
كاتب سليمان ، ودفنوه تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان ، فلما مات
سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه ، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا :
معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان ! وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان ، وأقبلوا على تعليمه
ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل على نبيه
عذر سليمان وأظهر براءته مما رمي به فقال : " واتبعوا ما تتلوا الشياطين " . قال عطاء :
" تتلو " تقرأ من التلاوة . وقال ابن عباس : " تتلو " تتبع ، كما تقول : جاء القوم يتلو
بعضهم بعضا . وقال الطبري : " اتبعوا " بمعنى فضلوا .
قلت : لان كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره ، ومعنى " تتلو " يعني
تلت ، فهو بمعنى المضي ، قال الشاعر :
وإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان ( 2 ) وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخادم وذبائح
أي فلقد كان . و " ما " مفعول ب " اتبعوا " أي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان
وتلته . وقيل : " ما " نفي ، وليس بشئ لا في نظام الكلام ولا في صحته ، قال ابن العربي .
" على ملك سليمان " أي على شرعه ونبوته . قال الزجاج : المعنى على عهد ملك سليمان . وقيل :
المعنى في ملك سليمان ، يعني في قصصه وصفاته وأخباره . قال الفراء : تصلح على وفي ، في مثل
هذا الموضع . وقال " على " ولم يقل بعد لقوله تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول
هامش
( 1 ) اختلفت الأصول في رسم هذه الكلمة ، والذي في القاموس : " النيرنج " قال شارح القاموس : " هكذا
في سائر النسخ ، والمنقول عن نص كلام الليث : " النيرج " بإسقاط النون الثانية . وكذا ورد في اللسان . وهو أحد
كالسحر وليس به ، إنما هو تشبيه وتلبيس " .
( 2 ) الكوم ( بالضم ) : جمع كوماه ، وهي الناقة العظيمة السنام . والهجان من الإبل : البيض الكرام .