بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها ، لاتساق الكلام
بعضه على بعض ، وانتظام بعضه ببعض ، ورجوع الاضمار في آخر الآية إلى من خوطب
في أولها ، فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه . ومما يدل على
ما قلناه سبب نزول هذه الآية ، روى الأئمة واللفظ للدارقطني : " عن كعب بن عجرة أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يتساقط على وجهه فقال : ( أيؤذيك هوامك ) قال نعم .
فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة ،
فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا ( 1 ) بين ستة مساكين ، أو يهدي
شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام ) . خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا . فقوله : " ولم يبين لهم أنهم
يحلون بها " يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم ، فإذا الموجب للفدية الحلق
للأذى والمرض ، والله أعلم .
الثانية - قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه : إنه يجزيه أن يكفر بالفدية
قبل الحلق .
قلت : فعلى هذا يكون المعنى " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من
صيام أو صدقة أو نسك " إن أراد أن يحلق ، ومن قدر فحلق ففدية ، فلا يفتدي حتى يحلق .
والله أعلم .
الثالثة - قال ابن عبد البر : كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره
بشاة ، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء . وأما الصوم والاطعام فاختلفوا فيه ، فجمهور فقهاء
المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام ، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة . وجاء عن
الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام ، والاطعام عشرة مساكين ،
ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث . وقد جاء من رواية أبي الزبير عن
هامش
( 1 ) الفرق ( بالتحريك ) : مكيال يسع سنة عشر رطلا ، وهي اثنا عشر مدا ، أو ثلاثة عند أهل الحجاز . وقيل :
خمسة أقساط : والقسط : نصف صاع . والفرق ( بالسكون ) : مائة وعشرون رطلا . عن نهاية ابن الأثير .