حتى ينحر هديه في الحرم . وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدى ويواعد حامله يوما ينحره
فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر الهدى وبلوغه ، وحملوه على
الاحلال بالظنون . والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شئ من فرائضه أن يخرج منه
بالظن ، والدليل على أن ذلك ظن قولهم : لو عطب ذلك الهدى أو ضل أو سرق فحل مرسله
وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد ، فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم
من لم يحل من إحرامه . وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب ، وإنما بنوا
مذهبهم هذا كله على قول ابن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له . وقال الشافعي في المحصر
إذا أعسر بالهدى : فيه قولان : لا يحل أبدا إلا بهدى . والقول الاخر : أنه مأمور أن يأتي
بما قدر عليه ، فإن لم يقدر على شئ كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه . قال الشافعي : ومن قال
هذا قال : يحل مكانه ويذبح إذا قدر ، فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح
إلا بها ، وإن لم يقدر ذبح حيث قدر . قال ويقال لا يجزيه إلا هدى . ويقال : إذا لم يجد
هديا كان عليه الاطعام أو الصيام . وإن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة أتى بواحد منها
إذا قدر . وقال في العبد : لا يجزيه إلا الصوم ، تقوم له الشاة دراهم ثم الدراهم طعاما ثم
يصوم عن كل مد يوما .
الثالثة - واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا ، فقالت طائفة : ليس
عليه أن يحلق رأسه ، لأنه قد ذهب عنه النسك . واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالاحصار جميع
المناسك كالطواف والسعي - وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه - سقط عنه سائر ما يحل
به المحرم من أجل أنه محصر . وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا :
ليس على المحصر تقصير ولا حلاق . وقال أبو يوسف : يحلق المقصر ، فإن لم يحلق فلا شئ
عليه . وقد حكى ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق ،
والتقصير لا بد له منه . واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين : أحدهما أن الحلاق
للمحصر من النسك ، وهو قول مالك . والاخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة . والحجة
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 380
مساهمون: القرطبي
ص٣٨٠