من ظهورها ، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه ، حتى نزل " فاقتلوا
المشركين " ( 1 ) [ التوبة : 5 ] فنسخت هذه الآية ، قاله جماعة من العلماء . وقال ابن زيد والربيع : نسخها
" وقاتلوا المشركين كافة " ( 1 ) [ التوبة : 36 ] فأمر بالقتال لجميع الكفار . وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز
ومجاهد : هي محكمة ، أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان
والرهبان وشبههم ، على ما يأتي بيانه . قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين في السنة
والنظر ، فأما السنة فحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه
امرأة مقتولة فكره ذلك ، ونهى عن قتل النساء والصبيان ، رواه الأئمة . وأما النظر فإن
" فاعل " لا يكون في الغالب إلا من اثنين ، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة ، والقتال لا يكون
في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم ، كالرهبان والزمني والشيوخ والأجراء فلا يقتلون .
وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام ،
إلا أن يكون لهؤلاء إذاية ، أخرجه مالك وغيره ، وللعلماء فيهم صور ست :
الأولى - النساء إن قاتلن قتلن ، قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها ، لعموم قوله :
" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " ، " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " [ البقرة : 191 ] . وللمرأة آثار عظيمة
في القتال ، منها الامداد بالأموال ، ومنها التحريص على القتال ، وقد يخرجن ناشرات شعورهن
نادبات مثيرات معيرات بالفرار ، وذلك يبيح قتلهن ، غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق
أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن ، وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال .
الثانية - الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية ، ولأنه لا تكليف عليهم ،
فإن قاتل [ الصبي ] قتل .
الثالثة - الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون ، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم ،
وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر ، لقول أبي بكر ليزيد ( 2 ) : " وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 72 وص 132 .
( 2 ) هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب ، أسلم يوم فتح مكة ، وعقد
له أبو بكر رضي الله عنه سنة 13 ه مع أمراء الجيوش إلى الشام ، وكان أول الامراء الذين خرجوا إليها ، وشيعه أبو بكر
راجلا ، وقال له : " . . . وإني موصيك بعشر : لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا
تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تغبن " . راجع موطأ
مالك باب الجهاد ، وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري .