وسيأتي بيان النسئ في سورة [ براءة ] ( 1 ) إن شاء الله تعالى . وقال أبو عبيدة : الآية ضرب
مثل ، المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسألوا العلماء ، فهذا كما تقول :
أتيت هذا الامر من بابه . وحكى المهدوي ومكي عن ابن الأنباري ، والماوردي عن ابن
زيد أن الآية مثل في جماع النساء ، أمر بإتيانهن في القبل لا من الدبر . وسمي النساء بيوتا
للايواء إليهن كالايواء إلى البيوت . قال ابن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام . وقال
الحسن : كانوا يتطيرون ، فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا
من الخيبة ، فقيل لهم : ليس في التطير بر ، بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه .
قلت : القول الأول أصح هذه الأقوال ، لما رواه البراء قال : كان الأنصار إذا حجوا
فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها ، قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه ، فقيل
له في ذلك ، فنزلت هذه الآية : " وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " وهذا نص
في البيوت حقيقة . خرجه البخاري ومسلم . وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر
لا من الآية ، فتأمله . وقد قيل : إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا
البر من وجهه ، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به ، فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا
ليشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه .
قلت : فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال . والبيوت جمع بيت ، وقرئ بضم الباء
وكسرها . وتقدم معنى التقوى والفلاح ولعل ، فلا معنى للإعادة ( 2 ) .
الثانية عشرة - في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه
لا يصير
قربة بأن يتقرب به متقرب . قال ابن خويز منداد : إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس
هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل ، فإن كان له نظير في الفرائض والسنن فيجوز أن يكون ،
وإن لم يكن فليس ببر ولا قربة . قال : وبذلك جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وذكر حديث ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم
هامش
( 1 ) راجع ج 8 ص 136 .
( 2 ) راجع ج 1 ص 161 ، 182 ، 227 طبعة ثانية .