وإسحاق وابن وهب صاحب مالك . واحتج من أجاز الوصال بأن قال : إنما كان النهي عن
الوصال لأنهم كانوا حديثي عهد بالاسلام ، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلفوا
الوصال وأعلى المقامات فيفتروا أو يضعفوا عما كان أنفع منه من الجهاد والقوة على العدو ، ومع
حاجتهم في ذلك الوقت . وكان هو يلتزم في خاصة نفسه الوصال وأعلى مقامات الطاعات ، فلما
سألوه عن وصالهم أبدى لهم فارقا بينه وبينهم ، وأعلمهم أن حالته في ذلك غير حالاتهم فقال :
( لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) . فلما كمل الايمان في قلوبهم واستحكم
في صدورهم ورسخ ، وكثر المسلمون وظهروا على عدوهم ، واصل أولياء الله وألزموا أنفسهم أعلى
المقامات ، والله أعلم .
قلت : ترك الوصال مع ظهور الاسلام وقهر الأعداء أولى ، وذلك أرفع الدرجات وأعلى
المنازل والمقامات ، والدليل على ذلك ما ذكرناه . وأن الليل ليس بزمان صوم شرعي ، حتى
لو شرع إنسان فيه الصوم بنية ما أثيب عليه ، والنبي صلى الله عليه وسلم ما أخبر عن نفسه
أنه واصل ، وإنما الصحابة ظنوا ذلك فقالوا : إنك تواصل ، فأخبر أنه يطعم ويسقى .
وظاهر هذه الحقيقة : أنه صلى الله عليه وسلم يؤتى بطعام الجنة وشرابها . وقيل : إن ذلك
محمول على ما يرد على قلبه من المعاني واللطائف ، وإذا احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز فالأصل
الحقيقة حتى يرد دليل يزيلها . ثم لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم وهو على عادته
كما أخبر عن نفسه ، وهم على عادتهم حتى يضعفوا ويقل صبرهم فلا يواصلوا . وهذه حقيقة
التنكيل حتى يدعوا تعمقهم وما أرادوه من التشديد على أنفسهم . وأيضا لو تنزلنا على أن
المراد بقوله : ( أطعم وأسقي ) المعنى لكان مفطرا حكما ، كما أن من اغتاب في صومه أو شهد بزور
مفطر حكما ، ولا فرق بينهما ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس
لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) . وعلى هذا الحد ما واصل النبي صلى الله عليه وسلم
ولا أمر به ، فكان تركه أولى . وبالله التوفيق .
الرابعة والعشرون - ويستحب للصائم إذا أفطر أن يفطر على رطبات أو تمرات
أو حسوات من الماء ، لما رواه أبو داود عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 330
مساهمون: القرطبي
ص٣٣٠