سهل بن سعد قال : نزلت " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود "
ولم ينزل " من الفجر " وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض
والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعد " من الفجر "
فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار . وعن عدي بن حاتم قال قلت : يا رسول الله ،
ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهما الخيطان ؟ قال : ( إنك لعريض القفا ( 1 ) إن أبصرت
الخيطين - ثم قال - لا بل هو سواد الليل وبياض النهار ) . أخرجه البخاري . وسمي الفجر
خيطا لان ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط . قال الشاعر :
الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق * والخيط الأسود جنح الليل مكتوم
والخيط في كلامهم عبارة عن اللون . والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث ،
وأصله الشق ، فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : فجرا لانبعاث
ضوئه ، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر ، تسميه العرب الخيط
الأبيض ، كما بينا . قال أبو دواد الأيادي :
فلما أضاءت لنا سدفة ( 2 ) * ولاح من الصبح خيط أنارا
وقال آخر :
قد كاد يبدو وبدت تباشره * وسدف الليل البهيم ساتره
وقد تسميه أيضا الصديع ، ومنه قولهم : انصدع الفجر ، قال بشر بن أبي خازم أو عمرو
ابن معديكرب :
ترى السرحان مفترشا يديه * كأن بياض لبته صديع
وشبهه الشماخ بمفرق الرأس فقال :
إذا ما الليل كان الصبح فيه * أشق كمفرق الرأس الدهين
هامش
( 1 ) القفا العريض يستدل به على قلة فطنة الرحل .
( 2 ) السدفة ( بضم السين وفتحها وسكون الدال ) :
في لغة نجد ظلمة الليل ، وفى لغة غيرهم الضوء . وهو من الأضداد .