أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : ( لا ) ، قلت : أفأتصدق بشطره ؟ قال : ( لا ، الثلث والثلث
كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) الحديث .
ومنع أهل الظاهر أيضا الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة . وأجاز ذلك
الكافة إذا أجازا الورثة ، وهو الصحيح ، لان المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث
لحق الوارث ، فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزا صحيحا ، وكان كالهبة من عندهم .
وروى الدارقطني عن ابن عباس ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجوز الوصية
لوارث إلا أن يشاء الورثة ) . وروي عن عمرو بن خارجة قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ( لا وصية لوارث إلا أن تجيز الورثة ) .
الرابعة عشرة - واختلفوا في رجوع المجيزين للوصية للوارث في حياة الموصي بعد وفاته ،
فقالت طائفة : ذلك جائز عليهم وليس لهم الرجوع فيه . هذا قول عطاء بن أبي رباح وطاوس
والحسن وابن سيرين وابن أبي ليلى والزهري وربيعة والأوزاعي . وقالت طائفة : لهم الرجوع
في ذلك إن أحبوا . هذا قول ابن مسعود وشريح والحكم وطاوس والثوري والحسن بن صالح
وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأبي ثور ، واختاره ابن المنذر . وفرق مالك فقال : إذا أذنوا
في صحته فلهم أن يرجعوا ، وإن أذنوا له في مرضه حين يحجب عن ماله فذلك جائز عليهم ،
وهو قول إسحاق . احتج أهل المقالة الأولى بأن المنع إنما وقع من أجل الورثة ، فإذا أجازوه
جاز . وقد اتفقوا أنه إذا أوصى بأكثر من ثلثه لأجنبي جاز بإجازتهم ، فكذلك ها هنا .
واحتج أهل القول الثاني بأنهم أجازوا شيئا لم يملكوه في ذلك الوقت ، وإنما يملك المال بعد
وفاته ، وقد يموت الوارث المستأذن قبله ولا يكون وارثا وقد يرثه غيره ، فقد أجاز من لا حق
له فيه فلا يلزمه شئ . واحتج مالك بأن قال : إن الرجل إذا كان صحيحا فهو أحق بماله كله
يصنع فيه ما شاء ، فإذا أذنوا له في صحته فقد تركوا شيئا لم يجب لهم ، وإذا أذنوا له في مرضه
فقد تركوا ما وجب لهم من الحق ، فليس لهم أن يرجعوا فيه إذا كان قد أنفذه لأنه قد فات .
الخامسة عشرة - فإن لم ينفذ المريض ذلك كان للوارث الرجوع فيه لأنه لم يفت
بالتنفيذ ، قاله الأبهري . وذكر ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قول مالك في هذه المسألة
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 265
مساهمون: القرطبي
ص٢٦٥