قوله تعالى : " إذ تبرأ الذين اتبعوا " يعنى السادة والرؤساء تبرءوا ممن اتبعهم على الكفر .
عن قتادة وعطاء والربيع . وقال قتادة أيضا والسدي : هم الشياطين المضلون تبرءوا من الانس .
وقل : هو عام في كل متبوع . " ورأوا العذاب " يعني التابعين والمتبوعين ، قيل : بتيقنهم
له عند المعاينة في الدنيا . وقيل : عند العرض والمسألة في الآخرة .
قلت : كلاهما حاصل ، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان ، وفي الآخرة
يذوقون أليم العذاب والنكال .
قوله تعالى : " وتقطعت بهم الأسباب " أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها
في الدنيا من رحم وغيره ، عن مجاهد وغيره . الواحد سبب ووصلة . وأصل السبب الحبل يشد
بالشئ فيجذبه ، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا . وقال السدي وابن زيد : إن الأسباب
أعمالهم . والسبب الناحية ، ومنه قول زهير :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السماء بسلم
قوله تعالى : وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما
تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعملهم حسرت عليهم وما هم بخرجين
من النار ( 167 ) .
قوله تعالى : " وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة " " أن " في موضع رفع ، أي لو ثبت
أن لنا رجعة " فنتبرأ منهم " جواب التمني . والكرة : الرجعة والعودة إلى حال قد كانت ،
أي قال الاتباع : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم " كما تبرءوا منا " أي
تبرأ كما ، فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف . ويجوز أن يكون نصبا على
الحال ، تقديرها متبرئين ، والتبرؤ الانفصال .
قوله تعالى : كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " الكاف في موضع رفع ،
أي الامر كذلك . أي كما أراهم الله العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم . و " يريهم الله " قيل :
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 206
مساهمون: القرطبي
ص٢٠٦