رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار ) .
فهذا الحديث يقضى أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وهو مقتضى الفقه
في الايمان ، وبه ترتبط الاحكام . فمن حلف ألا يكلم فلانا نهارا فكلمه قبل طلوع الشمس
حنث ، وعلى الأول لا يحنث . وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الفيصل في ذلك والحكم .
وأما على ظاهر اللغة وأخذه من السنة فهو من وقت الاسفار إذا اتسع وقت النهار ، كما قال ( 1 ) :
ملكت بها كفي فأنهرا فتقها * يرى قائم من دونها ما وراءها
وقد جاء عن حذيفة ما يدل على هذا القول ، خرجه النسائي . وسيأتي في آي الصيام ( 2 ) إن شاء
الله تعالى .
الثالثة - قوله تعالى : " والفلك التي تجرى في البحر " الفلك : السفن ، وإفراده
وجمعه بلفظ واحد ، ويذكر ويؤنث . وليست الحركات في المفرد تلك بأعيانها في الجمع ،
بل كأنه بنى الجمع بناء آخر ، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم : فلكان . والفلك المفرد
مذكر ، قال تعالى : " في الفلك المشحون ( 3 ) " فجاء به مذكرا ، وقال : " والفلك التي تجري
في البحر " فأنث . ويحتمل واحدا وجمعا ، وقال : " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم
بريح طيبة ( 4 ) " فجمع ، فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر ، وإلى السفينة
فيؤنث . وقيل : واحده فلك ، مثل أسد وأسد ، وخشب وخشب ، وأصله من الدوران ،
ومنه : فلك السماء التي تدور عليه النجوم . وفلكت الجارية استدار ثديها ، ومنه فلكة المغزل .
وسميت السفينة فلكا لأنها تدور بالماء أسهل دور .
ووجه الآية في الفلك : تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها .
وأول من عملها نوح عليه السلام كما أخبر تعالى ، وقال له جبريل : أصنعها على جؤجؤ ( 5 ) الطائر ،
فعملها نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه جبريل . فالسفينة طائر مقلوب والماء
في أسفلها نظير الهواء في أعلاها ، قاله ابن العربي .
هامش
( 1 ) هو قيس بن الخطيم ، يصف طعنة .
( 2 ) راجع ص 273 من هذا الجزء .
( 3 ) راجع ج 15
ص 34 .
( 4 ) راجع ج 8 ص 324 .
( 5 ) الجؤجؤ : الصدر . وقيل : عظامه .