مكة ، فكتب إليه عبد الملك : إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شئ ( 1 ) ، أما ما زاد في طوله
فأقره ، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه ، وسد الباب الذي فتحه ، فنقضه وأعاده إلى
بنائه . في رواية : قال عبد الملك : ما كنت أظن أبا خبيب ( يعني ابن الزبير ) سمع من عائشة
ما كان يزعم أنه سمعه منها ، قال الحارث بن عبد الله : بلى ، أنا سمعته منها ، قال : سمعتها
تقول ماذا ؟ قال : قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن قومك استقصروا من
بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه ( 2 ) فإن بدا لقومك من بعدي أن
يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع ) . في أخرى : قال
عبد الملك : لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بني ابن الزبير . فهذا ما جاء
في بناء الكعبة من الآثار .
وروي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة ، وأن
يرده على بناء ابن الزبير لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثله ابن الزبير ، فقال له
مالك : ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ، ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك ، لا يشاء أحد منهم
إلا نقض البيت وبناه ، فتذهب هيبته من صدور الناس . وذكر الوافدي : حدثنا معمر
عن همام بن منبه سمع أبا هريرة يقول ، : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد
الحميري ، وهو تبع ، وهو أول من كسا البيت ، وهو تبع الاخر . قال ابن إسحاق : كانت
تكسي القباطي ( 3 ) ثم كسيت البرد ، وأول من كساها الديباج الحجاج .
قال العلماء : ولا ينبغي أن يؤخذ من كسوة الكعبة شئ ، فإنه مهدي إليها ، ولا ينقص
منها شئ . روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستشفى به ،
وكان إذا رأى الخادم يأخذ منه قفدها قفدة ( 4 ) لا يألو أن يوجعها . وقال عطاء : كان أحدنا
إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر ثم أخذه .
هامش
( 1 ) قوله : إنا لسنا . . . الخ ، قال النووي : " يريد بذلك سبه وعيب فعله ، يقال : لطخته أي رميته بأمر قبيح " .
( 2 ) كان في صحيح مسلم . وفى نسخ الأصل : " تمامه " .
( 3 ) القباطي ( جمع القبطية القاف ) : ثياب كتاب بيض رقاق تعمل بمصر ، وهي منسوبة إلى القبط على
غير قياس .
( 4 ) القفد ( بفتح فسكون ) : صفع الرأس ببسط الكف من قبل القفا .