فقوله تعالى : " فاقرءوا ما تيسر منه " معناه اقرؤوا إن تيسر عليكم ذلك ، وصلوا إن شئتم .
وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرر في حق النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ، فما كانت
صلاة الليل واجبة عليه . وقوله : " نافلة لك " [ الاسراء : 79 ] محمول على حقيقة النفل . ومن قال : نسخ
المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم نسخ ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة ،
كقوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " [ الاسراء : 78 ] ، وقوله : " فسبحان الله حين تمسون وحين
تصبحون " [ الروم : 17 ] ، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع . وقيل : وقع النسخ
بقوله تعالى : " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [ الاسراء : 79 ] والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم
وللأمة ، كما أن فرضية الصلاة وإن خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :
" يا أيها المزمل . قم الليل " [ المزمل : 1 - 2 ] كانت عامة له ولغيره . وقد قيل : إن فريضة الله امتدت
إلى ما بعد الهجرة ، ونسخت بالمدينة ، لقوله تعالى : " علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون
يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله " ، وإنما فرض
القتال بالمدينة ، فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة ، فقيام الليل نسخ بقوله تعالى :
" ومن الليل فتهجد به نافلة لك " [ الاسراء : 79 ] . وقال ابن عباس : لما قدم رسول الله صلى الله عليه
وسلم نسخ قول الله تعالى : " إن ربك يعلم أنك تقوم " وجوب صلاة الليل .
السابعة - قوله تعالى : ( علم أن سيكون منكم مرضى ) الآية ، بين سبحانه
علة تخفيف قيام الليل ، فإن الخلق منهم المريض ، ويشق عليهم قيام الليل ، ويشق عليهم أن
تفوتهم الصلاة ، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل ، والمجاهد كذلك ، فخفف الله عن
الكل لأجل هؤلاء . و " أن " في " أن سيكون " مخففة من الثقيلة ، أي علم أنه سيكون .
الثامنة - سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال
للنفقة على نفسه وعياله ، والاحسان والافضال ، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة
الجهاد ، لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله . وروى إبراهيم عن علقمة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ( ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 55
مساهمون: مصطفى السقا
ص٥٥