وقيل : دحاها سواها ، ومنه قول زيد بن عمرو :
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما استوت شدها * بأيد وأرسى عليها الجبالا
وعن ابن عباس : خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان ، قبل أن يخلق الدنيا
بألف عام ، ثم دحيت الأرض من تحت البيت . وذكر بعض أهل العلم أن " بعد " في موضع
" مع " كأنه قال : والأرض مع ذلك دحاها ، كما قال تعالى : " عتل بعد ذلك زنيم " [ القلم : 13 ] .
ومنه قولهم : أنت أحمق وأنت بعد هذا سئ الخلق ، قال الشاعر :
فقلت لها عني إليك فإنني * حرام وإني بعد ذاك لبيب
أي مع ذلك لبيب . وقيل : بعد : بمعنى قبل ، كقوله تعالى : " ولقد كتبنا في الزبور من بعد
الذكر " [ الأنبياء : 105 ] أي من قبل الفرقان ، قال أبو خراش الهذلي :
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا * خراش وبعض الشر أهون من بعض
وزعموا أن خراشا نجا قبل عروة . وقيل : " دحاها " : حرثها وشقها . قاله ابن زيد . وقيل :
دحاها مهدها للأقوات . والمعنى متقارب . وقراءة العامة " والأرض " بالنصب ، أي دحا
الأرض . وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون " والأرض " بالرفع ، على الابتداء ، لرجوع الهاء .
ويقال : دحا يدحو دحوا ودحى يدحى دحيا ، كقولهم : طغى يطغى ويطغو ، وطغى يطغى ،
ومحا يمحو ويمحى ، ولحى العود يلحى ويلحو ، فمن قال : يدحو قال دحوت ومن قال يدحى
قال دحيت . " أخرج منها " أي أخرج من الأرض " ماءها " أي العيون المتفجرة بالماء .
" ومرعاها " أي النبات الذي يرعى . وقال القتبي : دل بشيئين على جميع ما أخرجه
من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب
واللباس والنار والملح ، لان النار من العيدان والملح من الماء . ( والجبال أرساها ) قراءة
العامة " والجبال " بالنصب ، أي وأرسى الجبال " أرساها " يعني : أثبتها فيها أوتادا لها . وقرأ
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 205
مساهمون: مصطفى السقا
ص٢٠٥