ومنعت عن الدنو من السماء . وقال نافع بن جبير : كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا
ترمى ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رميت بالشهب . ونحوه عن أبي بن كعب
قال : لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بها . وقيل :
كان ذلك قبل المبعث ، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذارا بحاله ،
وهو معنى قوله تعالى : " ملئت " أي زيد في حرسها ، وقال أوس بن حجر وهو جاهلي :
فانقض كالدري يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا
وهذا قول الأكثرين . وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال : كل شعر روي فيه فهو
مصنوع ، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث . والقول بالرمي أصح ، لقوله تعالى : " فوجدناها
ملئت حرسا شديدا وشهبا " . وهذا إخبار عن الجن ، أنه ( 1 ) زيد في حرس السماء حتى امتلأت
منها ومنهم ، ولما روى عن ابن عباس قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر
من أصحابه إذ رمى بنجم ، فقال : [ ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ] ؟ قالوا : كنا نقول
يموت عظيم أو يولد عظيم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إنها لا ترمى لموت أحد
ولا لحياته ، ولكن ربنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمرا في السماء سبح حملة العرش ثم سبح
أهل كل سماء ، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال
ربكم فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه ، فتتخطف الجن فيرمون فما
جاءوا به فهو حق ولكنهم يزيدون فيه ] . وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث . وروى
الزهري نحوه عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس . وفي آخره قيل
للزهري : أكان يرمى في الجاهلية ؟ قال : نعم . قلت : أفرأيت قوله سبحانه : " وأنا كنا نقعد
منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا " قال : غلظت وشدد أمرها حين
بعث النبي صلى الله عليه وسلم . ونحوه قال القتبي . قال ابن قتيبة : كان ولكن اشتدت
الحراسة بعد المبعث ، وكانوا من قبل يسترقون ويرمون في بعض الأحوال ، فلما بعث
محمد صلى الله عليه وسلم منعت من ذلك أصلا . وقد تقدم بيان هذا في سورة " الصافات " ( 2 )
هامش
( 1 ) في ط : ( وقد زيد ) . وفي ا ، ح : ( لقد زيد ) .
( 2 ) راجع ج 15 ص 65 .