وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم ، وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر
إلى أرض الاسلام ، فتتركوا الهجرة ما استطعتم ، بمعنى وأنتم للهجرة مستطيعين . وذلك أن الله
جل ثناؤه قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى : " إن الذين توفاهم الملائكة
ظالمي أنفسهم " إلى قوله " فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم " ( 1 ) [ النساء : 97 - 99 ] . فأخبر أنه قد عفا عمن
لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا بالإقامة في دار الشرك ، فكذلك معنى قوله : " فاتقوا الله
ما استطعتم " في الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم .
ومما يدل على صحة هذا أن قوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " عقيب قوله : " يا أيها الذين
آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " .
ولا خلاف بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار
تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الاسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك ، حسب
ما تقدم . وهذا كله اختيار الطبري . وقيل : " فاتقوا الله ما استطعتم " فيما تطوع به من
نافلة أو صدقة ، فإنه لما نزل قوله تعالى : " اتقوا الله حق تقاته " [ آل عمران : 102 ] اشتد على القوم فقاموا
حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم ، فأنزل الله تعالى تخفيفا عنهم : " فاتقوا الله ما استطعتم "
فنسخت الأولى ، قاله ابن جبير . قال الماوردي : ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل أن المكره
على المعصية غير مؤاخذ بها ، لأنه لا يستطيع اتقاءها .
الثالثة - قوله تعالى : ( واسمعوا وأطيعوا ) أي اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما
تؤمرون به وتنهون عنه . وقال مقاتل : " اسمعوا " أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب
الله ، وهو الأصل في السماع . " وأطيعوا " لرسوله فيما أمركم أو نهاكم . وقال قتادة : عليهما
بويع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة . وقيل : " واسمعوا " أي اقبلوا ما تسمعون ،
وعبر عنه بالسماع لأنه فائدته .
هامش
( 1 ) راجع ج 5 ص 354 .