كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر ، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى ، كان القتال
والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك . وفي الكلام حذف ، أي ( لا يستوي
منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، فحذف لدلالة الكلام
عليه . وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم ، لان حاجة الناس كانت أكثر لضعف الاسلام ،
وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق والاجر على قدر النصب . والله أعلم .
الثالثة - روى أشهب عن مالك قال : ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم ، وقد قال الله
تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) وقال الكلبي : نزلت في أبي بكر
رضي الله عنه ، ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وتقديمه ، لأنه أول من
أسلم . وعن ابن مسعود : أول من أظهر الاسلام بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ،
ولأنه أول من أنفق على نبي الله صلى الله عليه وسلم . وعن أبن عمر قال : كنت عند النبي
صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عبادة قد خللها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال :
يا نبي الله ! ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ؟ فقال : ( قد أنفق علي ماله
قبل الفتح ) قال : فإن الله يقول لك اقرأ على أبي بكر السلام وقل له أراض أنت في فقرك
هذا أم ساخط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ
عليك السلام ويقول أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط ) ؟ فقال أبو بكر : أأسخط على ربي ؟
إني عن ربي لراض ! إني عن ربي لراض ! إني عن ربي لراض ! قال : ( فإن الله يقول لك
قد رضيت عنك كما أنت عني راض ) فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام : والذي بعثك
يا محمد بالحق ، لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا بالعباءة ، ولهذا قدمته
الصحابة عل أنفسهم ، وأقروا له بالتقدم والسبق . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
سبق النبي صلى الله عليه وسلم وصلى ( 1 ) أبو بكر وثلث عمر ، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر
إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة وطرح الشهادة . فنال المتقدمون من المشقة أكثر مما نال
من بعدهم ، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ .
هامش
( 1 ) السابق : الأول . والمصلى : الثاني .