قربت لهم مواضعهم فيها فلا تبعد . ( غير بعيد ) أي منهم وهذا تأكيد . ( هذا ما توعدون )
أي ويقال لهم هذا الجزاء الذي وعدتم في الدنيا على ألسنة الرسل . وقراءة العامة ( توعدون )
بالتاء على الخطاب . وقرأ ابن كثير بالياء على الخبر ، لأنه أتى بعد ذكر المتقين . ( لكل أواب
حفيظ ) أواب أي رجاع إلى الله عن المعاصي ، ثم يرجع يذنب ثم يرجع ، هكذا قاله
الضحاك وغيره . وقال ابن عباس وعطاء : الأواب المسبح من قوله : ( يا جبال أوبي معه ( 1 ) ) .
وقال الحكم بن عتيبة : هو الذاكر لله تعالى في الخلوة . وقال الشعبي ومجاهد : هو الذي يذكر
ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها . وهو قول ابن مسعود . وقال عبيد بن عمير : هو الذي
لا يجلس مجلسا حتى يستغفر الله تعالى فيه . وعنه قال : كنا نحدث أن الأواب الحفيظ الذي
إذا قام من مجلسه قال سبحان الله وبحمده ، اللهم إني أستغفرك مما أصبت في مجلسي هذا .
وفي الحديث : ( من قال إذا قام من مجلسه سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك
وأتوب إليك غفر الله له ما كان في ذلك المجلس ) . وهكذا كان النبي صلى صلى الله عليه وسلم
يقول . وقال بعض العلماء : أنا أحب أن أقول أستغفرك وأسألك التوبة ، ولا أحب أن
أقول وأتوب إليك إلا على حقيقته .
قلت : هذا استحسان وأتباع الحديث أولى . وقال أبو بكر الوراق : هو المتوكل على
الله في السراء والضراء . وقال القاسم : هو الذي لا يشتغل إلا بالله عز وجل . ( حفيظ ) قال
ابن عباس : هو الذي حفظ ذنوبه حتى يرجع عنها . وقال قتادة : حفيظ لما أستودعه الله
من حقه ونعمته وأتمنه عليه . وعن ابن عباس أيضا : هو الحافظ لأمر الله . مجاهد : هو
الحافظ لحق الله تعالى بالاعتراف ولنعمه بالشكر . قال الضحاك : هو الحافظ لوصية الله تعالى
بالقبول . وروى مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حافظ
على أربع ركعات من أول النهار كان أوابا حفيظا ) ذكره الماوردي .
قوله تعالى : ( من خشي الرحمن بالغيب ) ( من ) في محل خفض على البدل من قوله :
( لكل أواب حفيظ ) أوفي موضع الصفة ل ( أواب ) . ويجوز الرفع على الاستئناف ، والخبر
هامش
( 1 ) راجع ج 14 ص 264