تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
موقف إبراهيم عليه السلام . فإن قيل : فقد قال الله تعالى : " قل بل ملة إبراهيم " ( 1 ) [ البقرة : 135 ] وقال : " أن اتبع ملة إبراهيم " ( 2 ) [ النحل : 12 ] وقال : " شرع لكم من الدين " [ الشورى : 13 ] الآية . وهذا يقتضي أن يكون متعبدا بشرع . فالجواب أن ذلك فيما لا تختلف فيه الشرائع من التوحيد وإقامة الدين ، على ما تقدم بيانه في غير موضع وفي هذه السورة عند قوله " شرع لكم من الدين " ( 3 ) [ الشورى : 13 ] والحمد لله . الرابعة - إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى : " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " . فقال جماعة : معنى الايمان في هذه الآية شرائع الايمان ومعالمه ، ذكره الثعلبي . وقيل : تفاصيل هذا الشرع ، أي كنت غافلا عن هذه التفاصيل . ويجوز إطلاق لفظ الايمان على تفاصيل الشرع ، ذكره القشيري : وقيل : ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ، ولا كيف تدعو الخلق إلى الايمان ، ونحوه عن أبي العالية . وقال بكر القاضي : ولا الايمان الذي هو الفرائض والاحكام . قال : وكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل ، فزاد بالتكليف إيمانا . وهذه الأقوال الأربعة متقاربة . وقال ابن خزيمة : عنى بالايمان الصلاة ، لقوله تعالى " وما كان الله ليضيع إيمانكم " [ البقرة : 143 ] أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، فيكون اللفظ عاما والمراد الخصوص . وقال الحسين بن الفضل : أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الايمان . وهو من باب حذف المضاف ، أي من الذي يؤمن ؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما . وقيل : ما كنت تدري شيئا إذ كنت في المهد وقبل البلوغ . وحكى الماوردي نحوه عن علي بن عيسى قال : ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة ، ولا الايمان لولا البلوغ . وقيل : ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك ، ولا الايمان لولا هدايتنا لك ، وهو محتمل . وفي هذا الايمان وجهان : أحدهما أنه الايمان بالله ، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته . والثاني - أنه دين الاسلام ، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة .
هامش
( 1 ) آية 135 سورة البقرة . ( 2 ) آية 123 سورة النحل . ( 3 ) آية 13 من هذه السورة .