تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
مالك بن دينار . وسماه روحا لان فيه حياة من موت الجهل . وجعله من أمره بمعنى أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز والتأليف المعجب . ويمكن أن يحمل قوله " ويسئلونك عن الروح " [ الاسراء : 85 ] على القرآن أيضا " قل الروح من أمر ربي " [ الاسراء : 85 ] أي يسئلونك من أين لك هذا القرآن ، قل إنه من أمر الله أنزله علي معجزا ، ذكره القشيري . وكان مالك بن دينار يقول : يا أهل القرآن ، ماذا زرع القرآن في قلوبكم ؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض . الثانية - قوله تعالى : " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " أي لم تكن تعرف الطريق إلى الايمان . وظاهر هذا يدل على أنه ما كان قبل الايحاء متصفا بالايمان . قال القشيري : وهو من مجوزات العقول ، والذي صار إليه المعظم ان الله ما بعث نبيا إلا كان مؤمنا به قبل البعثة . وفيه تحكم ، إلا أن يثبت ذلك بتوقيف مقطوع به . قال القاضي أبو الفضل عياض : وأما عصمتهم من هذا الفن ( 1 ) قبل النبوة فللناس فيه خلاف ، والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شئ من ذلك . وقد تعاضدت الاخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ، ونشأتهم على التوحيد والايمان ، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة ، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك ، كما عرف من حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام . قال الله تعالى " وآتيناه الحكم صبيا " ( 2 ) [ مريم : 12 ] قال المفسرون : أعطي يحيى العلم بكتاب الله في حال صباه . قال معمر : كان ابن سنتين أو ثلاث ، فقال له الصبيان : لم لا تلعب ! فقال : أللعب خلقت ! وقيل في قوله " مصدقا بكلمة من الله " ( 3 ) [ آل عمران : 39 ] صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله وروحه وقيل : صدقه وهو في بطن أمه ، فكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له . وقد نص الله على كلام عيسى لامه عند ولادتها إياه بقوله " لا تحزني " [ مريم : 24 ] على قراءة من قرأ " من
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . ( 2 ) آية 12 سورة مريم . ( 3 ) آية 39 سورة آل عمران .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 55 | القرطبي / أحمد عبد العليم البردوني