مالك بن دينار . وسماه روحا لان فيه حياة من موت الجهل . وجعله من أمره بمعنى أنزله
كما شاء على من يشاء من النظم المعجز والتأليف المعجب . ويمكن أن يحمل قوله " ويسئلونك
عن الروح " [ الاسراء : 85 ] على القرآن أيضا " قل الروح من أمر ربي " [ الاسراء : 85 ] أي يسئلونك من أين لك هذا
القرآن ، قل إنه من أمر الله أنزله علي معجزا ، ذكره القشيري . وكان مالك بن دينار
يقول : يا أهل القرآن ، ماذا زرع القرآن في قلوبكم ؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث
ربيع الأرض .
الثانية - قوله تعالى : " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " أي لم تكن
تعرف الطريق إلى الايمان . وظاهر هذا يدل على أنه ما كان قبل الايحاء متصفا بالايمان .
قال القشيري : وهو من مجوزات العقول ، والذي صار إليه المعظم ان الله ما بعث نبيا إلا
كان مؤمنا به قبل البعثة . وفيه تحكم ، إلا أن يثبت ذلك بتوقيف مقطوع به . قال
القاضي أبو الفضل عياض : وأما عصمتهم من هذا الفن ( 1 ) قبل النبوة فللناس فيه خلاف ،
والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شئ من ذلك .
وقد تعاضدت الاخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ، ونشأتهم
على التوحيد والايمان ، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة ، ومن طالع
سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك ، كما عرف من حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان
وغيرهم عليهم السلام . قال الله تعالى " وآتيناه الحكم صبيا " ( 2 ) [ مريم : 12 ] قال المفسرون : أعطي يحيى
العلم بكتاب الله في حال صباه . قال معمر : كان ابن سنتين أو ثلاث ، فقال له الصبيان :
لم لا تلعب ! فقال : أللعب خلقت ! وقيل في قوله " مصدقا بكلمة من الله " ( 3 ) [ آل عمران : 39 ] صدق يحيى
بعيسى وهو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله وروحه وقيل : صدقه وهو في بطن
أمه ، فكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له . وقد
نص الله على كلام عيسى لامه عند ولادتها إياه بقوله " لا تحزني " [ مريم : 24 ] على قراءة من قرأ " من
هامش
( 1 ) كذا في الأصل .
( 2 ) آية 12 سورة مريم .
( 3 ) آية 39 سورة آل عمران .