تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
سألك أن تحلله من مظلمة هي لك عنده ، فقال : إني لم أحرمها عليه فأحلها ، إن الله حرم الغيبة عليه ، وما كنت لأحل ما حرم الله عليه أبدا . وخبر النبي صلى الله عليه وسلم يدل على التحليل ، وهو الحجة والمبين . والتحليل يدل على الرحمة وهو من وجه العفو ، وقد قال تعالى : " فمن عفا وأصلح فأجره على الله " ( 1 ) [ الشورى : 40 ] . التاسعة - ليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المجاهر ، فإن في الخبر [ من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له ] . وقال صلى الله عليه وسلم : [ اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس ] . فالغيبة إذا في المرء الذي يستر نفسه . وروي عن الحسن أنه قال : ثلاثة ليست لهم حرمة : صاحب الهوى ، والفاسق المعلن ، والامام الجائر . وقال الحسن لما مات الحجاج : اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته - وفي رواية شينه - فإنه أتانا أخيفش أعيمش ، يمد بيد قصيرة البنان ، والله ما عرق فيها غبار في سبيل الله ، يرجل جمته ويخطر في مشيته ، ويصعد المنبر فيهدر حتى تفوته الصلاة . لا من الله يتقي ، ولا من الناس يستحي ، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون ، لا يقول له قائل : الصلاة أيها الرجل . ثم يقول الحسن : هيهات ! حال دون ذلك السيف والسوط . وروى الربيع بن صبيح عن الحسن قال : ليس لأهل البدع غيبة . وكذلك قولك للقاضي تستعين به على أخذ حقك ممن ظلمك فتقول : فلان ظلمني أو غضبني أو خانني أو ضربني أو قذفني أو أساء إلي ، ليس بغيبة . وعلماء الأمة على ذلك مجمعة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك : [ لصاحب الحق مقال ] . وقال : [ مطل الغني ظلم ] وقال : [ لي الواجد ( 2 ) يحل عرضه وعقوبته ] . ومن ذلك الاستفتاء ، كقول هند للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي ، فآخذ من غير علمه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ نعم فخذي ] . فذكرته بالشح والظلم لها ولولدها ، ولم يرها مغتابة ، لأنه لم يغير عليها ، بل أجابها عليه الصلاة والسلام بالفتيا لها . وكذلك إذا كان في ذكره بالسوء فائدة ، كقوله صلى الله عليه وسلم :
هامش
( 1 ) آية 40 سورة الشورى . ( 2 ) الواجد : القادر على قضاء دينه