إذ تبينت لهما نار فاستأذنا ففتح الباب ، فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل قدح ، فقال
عمر : وأنت بهذا يا فلان ؟ فقال : وأنت بهذا يا أمير المؤمنين ! قال عمر : فمن هذه منك ؟
قال امرأتي ، قال فما في هذا القدح ؟ قال ماء زلال ، فقال للمرأة : وما الذي تغنين ؟ فقالت :
تطاول هذا الليل واسود جانبه * وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله أني أراقبه * لزعزع من هذا السرير جوانبه
ولكن عقلي والحياء يكفني * وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
ثم قال الرجل : ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين ! قال الله تعالى : " ولا تجسسوا " .
قال صدقت .
قلت : لا يفهم من هذا الخبر أن المرأة كانت غير زوجة الرجل ، لان عمر لا يقر على الزنى ،
وإنما غنت بتلك الأبيات تذكارا لزوجها ، وأنها قالتها في مغيبه عنها ( 1 ) . والله أعلم . وقال
عمرو بن دينار : كان رجل من أهل المدينة له أخت فاشتكت ، فكان يعودها فماتت فدفنها .
فكان هو الذي نزل في قبرها ، فسقط من كمه كيس فيه دنانير ، فاستعان ببعض أهله فنبشوا
قبرها فأخذ الكيس ثم قال : لأكشفن حتى أنظر ما آل حال أختي إليه ، فكشف عنها فإذا
القبر مشتعل نارا ، فجاء إلى أمه فقال : أخبريني ما كان عمل أختي ؟ فقالت : قد ماتت
أختك فما سؤالك عن عملها ! فلم يزل بها حتى قالت له : كان من عملها أنها كانت تؤخر
الصلاة عن مواقيتها ، وكانت إذا نام الجيران قامت إلى بيوتهم فألقمت أذنها أبوابهم ،
فتجسس عليهم وتخرج أسرارهم ، فقال : بهذا هلكت !
الخامسة - قوله تعالى : " ولا يغتب بعضكم بعضا " نهى عز وجل عن الغيبة ،
وهي أن تذكر الرجل بما فيه ، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان . ثبت معناه في صحيح مسلم
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ أتدرون ما الغيبة ] ؟ قالوا :
الله ورسوله أعلم . قال : [ ذكرك أخاك بما يكره ] قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟
هامش
( 1 ) راجع هذه القصة في ج 3 ص 108 من هذا الكتاب .