تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
لذكره مجردا أنهم يكنون عنه ويرغبون عن التصريح فيقولون : الطويل الاذنين ، كما يكنى عن الأشياء المستقذرة . وقد عد في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة . ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا وإن بلغت منه الرجلة ( 1 ) . وكان عليه الصلاة والسلام يركبه تواضعا وتذللا لله تبارك وتعالى . الرابعة - في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة ( 2 ) بقبح أصوات الحمير ، لأنها عالية . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا ) . وقد روي : أنه ( 3 ) ما صاح حمار ولا نبح كلب إلا أن يرى شيطانا . وقال سفيان الثوري : صياح كل شئ تسبيح إلا نهيق الحمير . وقال عطاء : نهيق الحمير دعاء على الظلمة . الخامسة - ( 4 ) وهذه الآية أدب من الله تعالى بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا ( 5 ) بهم ، أو بترك الصياح جملة ، وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك ، فمن كان منهم أشد صوتا كان أعز ، ومن كان أخفض كان أذل ، حتى قال شاعرهم : جهير الكلام جهير العطاس * جهير الرواء جهير النعم ( 6 ) ويعدو على الأين عدوى الظليم * ويعلو الرجال بخلق عمم ( 7 ) فنهى الله سبحانه وتعالى عن هذه الخلق الجاهلية بقوله : " إن أنكر الأصوات لصوت الحمير " أي لو أن شيئا يهاب لصوته لكان الحمار ، فجعلهم في المثل سواء . السادسة - قوله تعالى : " لصوت الحمير " اللام للتأكيد ، ووحد الصوت وإن كان مضافا إلى الجماعة لأنه مصدر والمصدر يدل على الكثرة ، وهو مصدر صات يصوت صوتا فهو صائت . ويقال : صوت تصويتا فهو مصوت . ورجل صات أي شديد الصوت بمعنى صائت ، كقولهم : رجال مال ونال ، أي كثير المال والنوال .
هامش
( 1 ) الرجلة ( بضم فسكون ) : المشي راجلا . ( 2 ) الملاحاة : الملاومة والمباغضة . ( 3 ) لفظة ( أنه ) ساقطة من ج . ( 4 ) في ك : ( وفي هذه الآية أذن من الله تعالى بترك الصوت والصياح ) . ( 5 ) في ج : ( تهازيا ) . ( 6 ) الرواء ( بالضم والمد ) : المنظر الحسن . والنعم : الإبل . ( 7 ) الأين : الاعياء . والخلق العمم : التام .