تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
عن الحبة تقع في سفل البحر أيعلمها الله ؟ فراجعه لقمان بهذه الآية . وقيل : المعنى أنه أراد الأعمال ، المعاصي والطاعات ، أي إن تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبة يأت بها الله ، أي لا تفوت الانسان المقدر وقوعها منه . وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف مضاف [ ذلك ] ( 1 ) إلى تبيين قدرة الله تعالى . وفي القول الأول ليس فيه ترجية ولا تخويف . قوله تعالى : " مثقال حبة " عبارة تصلح للجواهر ، أي قدر حبة ، وتصلح للأعمال ، أي ما يزنه على جهة المماثلة قدر حبة . ومما يؤيد قول من قال هي من الجواهر : قراءة عبد الكريم الجزري ( 2 ) " فتكن " بكسر الكاف وشد النون ، من الكن الذي هو الشئ المغطى . وقرأ جمهور القراء : " إن تك " بالتاء من فوق " مثقال " بالنصب على خبر كان ، واسمها مضمر تقديره : مسألتك ، على ما روى ، أو المعصية والطاعة على القول الثاني ، ويدل على صحته قول ابن لقمان لأبيه : يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله ؟ فقال لقمان له : " يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة " الآية . فما زال ابنه يضطرب حتى مات ، قاله مقاتل . والضمير في " إنها " ضمير القصة ، كقولك : إنها هند قائمة ، أي القصة إنها إن تك مثقال حبة . والبصريون يجيزون : إنها زيد ضربته ، بمعنى إن القصة . والكوفيون لا يجيزون هذا إلا في المؤنث كما ذكرنا . وقرأ نافع : " مثقال " بالرفع ، وعلى هذا " تك " يرجع إلى معنى خردلة ، أي إن تك حبة من خردل . وقيل : أسند إلى المثقال فعلا فيه علامة التأنيث من حيث انضاف إلى مؤنث هو منه ، لان مثقال الحبة من الخردل إما سيئة أو حسنة ، كما قال : " فله عشر أمثالها " ( 3 ) [ الانعام : 160 ] فأنث وإن كان المثل مذكرا ، لأنه أراد الحسنات . وهذا كقول الشاعر : مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم ( 4 ) و " تك " هاهنا بمعنى تقع فلا تقتضي خبرا .
هامش
( 1 ) زيادة عن ابن عطية . ( 2 ) في ج : ( الجوزي ) . ( 3 ) في ج : ( الجوزي ) . راجع ج 7 ص 150 . ( 4 ) البيت لذي الرمة . و ( تسفهت ) : استخفت والسفه خفة العقل وضعفه . و ( النواسم ) : الضعيفة الهبوب . وصف نساء فيقول : إذا مشين اهتززن في مشيهن وتثنين فكأنهن رماح نصبت فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت .