تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
أعذر من أنذر ، أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته . والمعنى : أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر ، لان الستين قريب من معترك المنايا ، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى ، ففيه إعذار بعد إعذار ، الأول بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والموتان ( 1 ) في الأربعين والستين . قال علي وأبن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " : إنه ستون سنة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في موعظته : ( ولقد أبلغ في الاعذار من تقدم في الانذار وإنه لينادي مناد من قبل الله تعالى أبناء الستين " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير " ) . وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله " أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " ) . وعن ابن عباس أيضا أنه أربعون سنة . وعن الحسن البصري ومسروق مثله . ولهذا القول أيضا وجه ، وهو صحيح ، والحجة له قوله تعالى : " حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة " ( 2 ) [ الأحقاف 15 ] الآية . ففي الأربعين تناهي العقل ، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه ( 3 ) ، والله أعلم . وقال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس ، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت . وقد مضى هذا المعنى في سورة " الأعراف " ( 4 ) . وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك ) . قوله تعالى : ( وجاءكم النذير ) وقرئ " وجاءتكم النذر " واختلف فيه ، فقيل القرآن . وقيل الرسول ، قاله زيد بن علي وابن زيد . وقال ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين ابن الفضل والفراء والطبري : هو الشيب . وقيل : النذير الحمى . وقيل : موت الأهل والأقارب . وقيل : كمال العقل . والنذير بمعنى الانذار .
هامش
( 1 ) الموتان ( بضم الميم وفتحها وسكون الواو ) : الموت . ( 2 ) راجع ج 16 ص 194 ( 3 ) كيف هذا وقد عاش صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة ؟ ؟ ( 4 ) راجع ج 7 ص 276