أي ولسليمان الريح ثابتة ، وفيه ذلك المعنى الأول . فإن قال قائل : إذا قلت أعطيت زيدا
درهما ولعمرو دينار ، فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول ، وجاز أن يكون لم تعطه الدينار . وقيل :
الامر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى ، لأنه قد علم أنه لم يسخرها أحد
إلا الله عز وجل . ( غدوها شهر ورواحها شهر ) أي مسيرة شهر . قال الحسن : كان يغدو
من دمشق فيقيل بإصطخر ، وبينهما مسيرة شهر للمسرع ، ثم يروح من إصطخر ويبيت
بكابل ، وبينهما شهر للمسرع . قال السدي : كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين . وروى
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسي ،
ثم جلس رؤساء الانس مما يليه ، وجلس سفلة الانس مما يليهم ، وجلس رؤساء الجن مما يلي
سفلة الانس ، وجلس سفلة الجن مما يليهم ، وموكل بكل كرسي طائر لعمل قد عرفه ،
ثم تقلهم الريح ، والطير تظلهم من الشمس ، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر ، فيبيت
ببيت المقدس ، ثم قرأ ابن عباس : " غدوها شهر ورواحها شهر " . وقال وهب بن منبه :
ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوبا فيه - كتبه بعض صحابة سليمان ، إما من الجن
وإما من الانس - : نحن نزلنا وما بنيناه ، ومبنيا وجدناه ، غدونا من إصطخر فقلناه ،
ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام . وقال الحسن : شغلت سليمان الخيل
حتى فاتته صلاة العصر ، فعقر الخيل فأبدله الله خيرا منها وأسرع ، أبدل الريح تجري بأمره
حيث شاء ، غدوها شهر ورواحها شهر . وقال ابن زيد : كان مستقر سليمان بمدينة تدمر ،
وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق ، فبنوها له بالصفاح ( 1 ) والعمد والرخام
الأبيض والأصفر . وفيه يقول النابغة :
إلا سليمان إذ قال الاله له * قم في البرية فأحددها ( 2 ) عن الفند
وخيس ( 3 ) الجن إني قد أذنت لهم * يبنون تدمر بالصفاح والعمد
هامش
( 1 ) الصفاح ( كرمان ) : حجارة عريضة رقيقة .
( 2 ) الحد : المنع . والفند : الخطأ .
( 3 ) خيس : ذلل .