تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
جميع ما في الأرض ، وعهد الله إليه عهدا فيه أمره ونهيه وحله وحرامه ، وزعم أنه أمره أن يعرض ذلك على السماوات والأرض والجبال ، فما تصنع السماوات والأرض والجبال بالحلال والحرام ؟ وما التسليط ( 1 ) على الانعام والطير والوحش ! وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذريته من بعده . وفي مبتدأ الخبر في التنزيل أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال حتى ظهر الاباء منهم ، ثم ذكر أن الانسان حصلها ، أي من قبل نفسه لا أنه حمل ذلك ، فسماه " ظلوما " أي لنفسه ، " جهولا " بما فيها . وأما الآثار التي هي بخلاف ما ذكر ، فحدثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي حدثنا السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : لما خلق الله الأمانة مثلها صخرة ، ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها السماوات والأرض والجبال ليحملنها ، وقال لهن : إن هذه " الأمانة " ، ولها ثواب وعليها عقاب ، قالوا : يا رب ، لا طاقة لنا بها ، وأقبل الانسان من قبل أن يدعي فقال للسموات والأرض والجبال : ما وقوفكم ؟ قالوا : دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقن منها ولم نطقها ، قال : فحركها بيده وقال : والله لو شئت أن أحملها لحملتها ، فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه ، ثم وضعها وقال : والله لو شئت أن أزداد لزددت ، قالوا : دونك ! فحملها حتى بلغ بها حقويه ( 2 ) ، ثم وضعها وقال : والله لو شئت أن أزداد لزددت ، قالوا : دونك ، فحملها حتى وضعها على عاتقه ، فلما أهوى ليضعها ، قالوا : مكانك ! إن هذه " الأمانة " ولها ثواب وعليها عقاب وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقن منها ، وحملتها أنت من غير أن تدعى لها ، فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم القيامة ، إنك كنت ظلوما جهولا . وذكر أخبارا عن الصحابة والتابعين تقدم أكثرها . " وحملها الانسان " أي التزم القيام بحقها ، وهو في ذلك ظلوم لنفسه . وقال قتادة : للأمانة ، جهول بقدر ما دخل فيه . وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير . وقال الحسن : جهول بربه . قال : ومعنى " حملها " خان فيها . وقال الزجاج والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل . وقال ابن عباس وأصحابه
هامش
( 1 ) في ا : ( وما تسليطه ) . ( 2 ) الحقو ( بفتح الحاء وكسرها ) : الخاصرة .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 257 | القرطبي