عليه دين ، فلما فتح الله عليه الفتوح قال : ( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه
دين فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته ) أخرجه الصحيحان . وفيهما أيضا ( فأيكم ترك دينا
أو ضياعا فأنا مولاه ) . قال ابن العربي : فانقلبت الآن الحال بالذنوب ، فإن تركوا مالا
ضويق العصبة فيه ، وإن تركوا ضياعا أسلموا إليه ، فهذا تفسير الولاية المذكورة في هذه
الآية بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيهه ، ( ولا عطر بعد عروس ) . قال ابن عطية :
وقال بعض العلماء العارفين هو أولى بهم من أنفسهم ، لان أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك ،
وهو يدعوهم إلى النجاة . قال ابن عطية : ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام :
( أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها تقحم الفراش ) .
قلت : هذا قول حسن في معنى الآية وتفسيرها ، والحديث الذي ذكر أخرجه مسلم
في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما مثلي ومثل أمتي كمثل
رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه ( 1 ) وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه ) .
وعن جابر مثله ، وقال : ( وأنتم تفلتون من يدي ) . قال العلماء الحجزة للسراويل ، والمعقد
للازار ، فإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه . وهذا مثل لاجتهاد
نبينا عليه الصلاة والسلام في نجاتنا ، وحرصه على تخلصنا من الهلكات التي بين أيدينا ، فهو
أولى بنا من أنفسنا ، ولجهلنا بقدر ذلك وغلبة شهواتنا علينا وظفر عدونا اللعين بناصرنا أحقر
من الفراش وأذل من الفراش ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! وقيل : أولى بهم
أي أنه إذا أمر بشئ ودعت النفس إلى غيره كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولى . وقيل
أولى بهم أي هو أولى بأن يحكم على المؤمنين فينفذ حكمه في أنفسهم ، أي فيما يحكمون به
لأنفسهم مما يخالف حكمه .
الثانية - قال بعض أهل العلم : يجب على الامام أن يقضي من بيت المال دين
الفقراء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه حيث قال : ( فعلي
قضاؤه ) . والضياع ( بفتح الضاد ) مصدر ضاع ، ثم جعل اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع
هامش
( 1 ) مرجع الضمير في هذه الرواية المستوقد المفهوم من الكلام .