تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ريح أمة قبل ثديها . وقال ابن زيد استرابوها حين قالت ذلك فقالت وهم للملك ناصحون . وقيل : إنها لما قالت : " هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم " وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا : من هي ؟ فقالت : أمي ، فقيل : لها لبن ؟ قالت : نعم ! لبن هارون - وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان - فقالوا صدقت والله . " وهم له ناصحون " أي فيهم شفقة ونصح ، فروي أنه قيل لام موسى حين ارتضع منها : كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك ؟ فقالت : إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن ، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني قال أبو عمران الجوني : وكان فرعون يعطي أم موسى كل يوم دينارا . قال الزمخشري : فإن قلت كيف حل لها أن تأخذ الاجر على إرضاع ولدها ؟ قلت : ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع ، ولكنه مال حربي تأخذه على وجه الاستباحة . قوله تعالى : ( فرددناه إلى أمه ) أي رددناه وقد عطف الله قلب العدو عليه ، ووفينا لها بالوعد . ( كي تقر عينها ) أي بولدها . ( ولا تحزن ) أي بفراق ولدها . ( ولتعلم أن وعد الله حق ) أي لتعلم وقوعه فإنها كانت عالمة بأن رده إليها سيكون . ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) يعني أكثر آل فرعون لا يعلمون ، أي كانوا في غفلة عن التقرير وشر القضاء . وقيل : أي أكثر الناس يعلمون أن وعد الله في كل ما وعد حق . قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ) قد مضى الكلام في الأشد في " الانعام " ( 1 ) . وقول ربيعة ومالك أنه الحلم أولي ما قيل فيه ، لقوله تعالى " حتى إذا بلغوا النكاح " وذلك أول الأشد ، وأقصاه أربع وثلاثون سنة ، وهو قول سفيان الثوري . " واستوى " قال ابن عباس : بلغ أربعين سنة والحكم : الحكمة قبل النبوة وقيل : الفقه في الدين وقد مضى بيانها في " البقرة " ( 2 ) وغيرها والعلم الفهم قول السدي . وقيل : النبوة . وقال مجاهد : الفقه . محمد ابن إسحاق : أي العلم بما في دينه ودين آبائه ، وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه ، ويقتدون به ، ويجتمعون إليه ، وكان هذا قبل النبوة .
هامش
( 1 ) راجع ج 7 ص 134 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية . ( 2 ) راجع ج 2 ص 131 طبعة ثانية .