وهذا الخلاف يبنى على أصلين : أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس .
وللخلاف سببان : أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم
لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم ، كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد وعفا لهم
عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك
لاتباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به . وبهذا قال مالك وأبو حنيفة
والأوزاعي . أو كان فتحها صلحا - وإليه ذهب الشافعي - فتبقى ديارهم بأيديهم ،
وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاءوا . وروى عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية
بأربعة آلاف وجعلها سجنا ، وهو أول من حبس في السجن في الاسلام ، على ما تقدم بيانه
في آية المحاربين من سورة " المائدة " ( 1 ) . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة .
وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة .
قلت : الصحيح ما قاله مالك ، وعليه تدل ظواهر الاخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة .
قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شئ من البلاد . وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة
قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة
إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وزاد في رواية ، وعثمان . وروى أيضا
عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب ، لا تباع من احتاج سكن ومن استغنى أسكن .
وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى حرم مكة
فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها - وقال - من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا ) .
قال الدارقطني : كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه ، ووهم أيضا في قوله : عبيد الله ( 2 ) بن أبي يزيد
وإنما هو ابن أبي زياد القداح ، والصحيح أنه موقوف ، وأسند الدارقطني أيضا عن
عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر
هامش
( 1 ) راجع ج 6 ص 153 .
( 2 ) أحد رجال سند الحديث .