فإنه جواب الشرط ، ولو كان خبر " إن " لبقي الشرط ، بلا جواب ، ولا سيما والفعل الذي
في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب .
الثانية - قوله تعالى : ( والمسجد الحرام ) قيل : إنه المسجد نفسه ، وهو ظاهر
القرآن ، لأنه لم يذكر غيره . وقيل : الحرم كله ، لان المشركين صدوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه ، قال الله تعالى : " وصدوكم عن
المسجد الحرام ( 1 ) " [ الفتح : 25 ] وقال : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [ الاسراء : 1 ] . وهذا
صحيح ، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك .
الثالثة - قوله تعالى : ( الذي جعلناه للناس ) أي للصلاة والطواف والعبادة ،
وهو كقوله تعالى : " إن أول بيت وضع للناس " ( 2 ) [ آل عمران : 96 ] .
سواء العاكف فيه والباد )
العاكف : المقيم الملازم . والبادي : أهل البادية ومن يقدم عليهم . يقول : سواء في تعظيم
حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد ، فليس أهل مكة أحق من النازح
إليه . وقيل : إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله ، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ
عليها . وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله ، وهذا قول مجاهد ومالك ، رواه عنه ابن القاسم .
وروي عن عمر وابن عباس وجماعة أن القادم له النزول حيث وجد ، وعلى رب المنزل
أن يؤويه شاء أو أبى . وقال ذلك سفيان الثوري وغيره . وكذلك كان الامر في الصدر الأول ،
كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة ، فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا
في وجه حاج بيت الله تعالى : ؟ فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة ، فتركه فاتخذ
الناس الأبواب . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع
أبواب دور مكة ، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء ، وكانت الفساطيط تضرب
في الدور . وروى عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ، وهذا هو العمل اليوم . وقال بهذا جمهور من الأمة ( 3 ) .
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 283 .
( 2 ) راجع ج 4 ص 237 .
( 3 ) في ك : الأئمة .