قوله تعالى : ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ) هذه رؤية
القلب ، أي ألم تر بقلبك وعقلك . وتقدم معنى السجود في " البقرة " ، ( 1 ) وسجود الجماد في " النحل " . ( 2 )
" والشمس " معطوفة على " من " . وكذا ( والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير
من الناس ) . ثم قال : ( وكثير حق عليه العذاب ) وهذا مشكل من الاعراب ، كيف لم ينصب
ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل ، مثل : " والظالمين أعد لهم عذابا أليما ( 3 ) " ؟ [ الانسان : 31 ]
فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا ، ولكن اختير الرفع لان المعنى وكثير أبى
السجود ، فيكون ابتداء وخبرا ، وتم الكلام عند قوله : " وكثير من الناس " . ويجوز أن يكون
معطوفا ، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة
وسقم وحسن وقبح ، وهذا يدخل فيه كل شئ . ويجوز أن ينتصب على تقدير : وأهان
كثيرا حق عليه العذاب ، ونحوه . وقيل : تم الكلام عند قوله " والدواب " ثم ابتدأ فقال :
" وكثير من الناس " في الجنة " وكثير حق عليه العذاب " . وكذا روي عن ابن عباس أنه قال :
( المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب ، ذكره ابن الأنباري . وقال
أبو العالية : ما في السماوات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجد الله حين يغيب ، ثم لا ينصرف
حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه . قال القشيري : وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس ،
فهذا سجود حقيقي ، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد .
قلت : الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم ، وسيأتي في سورة " يس " عند قوله
تعالى : " والشمس تجري لمستقر لها " ( 4 ) . [ يس : 38 ] . وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى .
قوله تعالى : ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر
أحد على دفع الهوان عنه . وقال ابن عباس : إن من تهاون بعبادة الله صار إلى النار .
( إن الله يفعل ما يشاء ) يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لاحد عليه . وحكى الأخفش
والكسائي والفراء : " ومن يهن الله فما له من مكرم " أي إكرام .
هامش
( 1 ) راجع ج 1 ص 291 .
( 2 ) راجع ج 10 ص 112 .
( 3 ) راجع ج 19 ص 150 .
( 4 ) راجع ج 15 ص 26 فما بعد .