وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ، ثم أمر نبيه بالاحتقار
لشأنهم ، والصبر على أقوالهم ، والاعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا ، إذ ذلك
منصرم عنهم صائر إلى خزي .
قلت : وكذلك ما روى عنه عليه السلام أنه مر بإبل بني المصطلق وقد عبست ( 1 )
في أبوالها [ وأبعارها ] ( 2 ) من السمن فتقنع بثوبه ثم مضى ، لقوله عز وجل : " ولا تمدن عينيك
إلى ما متعنا به أزواجا منهم " الآية . ثم سلاه فقال : " ورزق ربك خير وأبقى " أي ثواب
الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى ، لأنه يبقى والدنيا تفنى . وقيل : يعني بهذا الرزق
ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد والغنائم .
قوله تعالى : ( وأمر أهلك بالصلاة ) أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم ،
ويصطبر عليها ويلازمها : وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه جميع
أمته ، وأهل بيته على التخصيص . وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح
إلى بيت فاطمة وعلى رضوان الله عليهما فيقول " الصلاة " . ويروى أن عروة بن الزبير
رضي الله عنه كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله ،
وهو يقرأ " ولا تمدن عينيك " الآية إلى قوله : " وأبقى " ثم ينادي بالصلاة :
الصلاة يرحمكم الله ، ويصلي : وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية .
قوله تعالى : ( لا نسئلك رزقا ) أي لا نسئلك أن ترزق نفسك وإياهم ، وتشتغل عن
الصلاة بسبب الرزق ، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم ، فكان عليه السلام إذا نزل بأهله
ضيق أمرهم بالصلاة . وقد قال الله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .
ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق " ( 3 ) [ الذاريات 56 ] .
قوله تعالى : ( والعاقبة للتقوى ) أي الجنة لأهل التقوى ، يعني العاقبة المحمودة
وقد تكون لغير التقوى عاقبة ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة ،
هامش
( 1 ) عبست في أبوالها : هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها وذلك إنما يكون من الشحم .
( 2 ) الزيادة من ( النهاية ) لابن الأثير .
( 3 ) راجع ج 17 ص 55 .