إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام ،
حتى ينتهى الامر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجل
حسابهم ويراحوا من هول موقفهم ، وهو الخاصة به صلى الله عليه وسلم ، ولأجل ذلك قال :
" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " . قال النقاش : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات :
العامة ، وشفاعة في السب إلى الجنة ، وشفاعة في أهل الكبائر . ابن عطية : والمشهور أنهما
شفاعتان فقط : العامة ، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار . وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها
الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء . وقال القاضي أبو الفضل عياض : شفاعات نبينا صلى
الله عليه وسلم يوم القيامة خمس شفاعات : العامة . والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب .
الثالثة في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيها نبينا صلى الله عليه وسلم ،
ومن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة . وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة : الخوارج
والمعتزلة ، فمنعتها على أصولهم الفاسدة ، وهي الاستحقاق العقلي المبنى على التحسين والتقبيح .
الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء
والملائكة وإخوانهم المؤمنين . الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها ، وهذه
لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول .
قال القاضي عياض : وعرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح
لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ورغبتهم فيها ، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال : إنه يكره
أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنها لا تكون إلا للمذنبين ، فإنها قد
تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات . ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج
إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من الهالكين ، ويلزم هذا القائل
ألا يدعو بالمغفرة
والرحمة ، لأنها لأصحاب الذنوب أيضا ، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف .
روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال حين
يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا - صلى الله عليه وسلم -
الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة " .
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 310
مساهمون: القرطبي
ص٣١٠