القول الثاني - أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة .
قلت : وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول ، فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع .
روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد
ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي آدم فمن سواه
إلا تحت لوائي " الحديث .
القول الثالث - ما حكاه الطبري عن فرقة ، منها مجاهد ، أنها قالت : المقام المحمود
هو أن يجلس الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم معه على كرسيه ، وروت في ذلك حديثا .
وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول ، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى ، وفيه
بعد . ولا ينكر مع ذلك أن يروى ، والعلم يتأوله . وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني
أنه قال : من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا ، من أنكر
جوازه على تأويله . قال أبو عمر ومجاهد : وإن كان أحد الأئمة يتأول القرآن فإن له قولين
مهجورين عند أهل العلم : أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله تعالى : " وجوه يومئذ
ناضرة . إلى ربها ناظرة ( 1 ) " قال : تنتظر الثواب ، ليس من النظر .
قلت . ذكر هذا في باب ابن شهاب في حديث التنزيل . وروى عن مجاهد أيضا في هذه
الآية قال : يجلسه على العرش . وهذا تأويل غير مستحيل ، لان الله تعالى كان قبل خلقه
الأشياء كلها والعرش قائما بذاته ، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها ، بل إظهارا لقدرته
وحكمته ، وليعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة ، وخلق لنفسه
عرشا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسا ، أو كان العرش له مكانا . قيل : هو
الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان ، فعلى هذا القول سواء في الجواز
أقعد محمد على العرش أو على الأرض ، لان استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال
والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش ، بل هو مستو على عرشه
هامش
( 1 ) راجع ج 19 ص 105 .