لمن يخبرهم عن الله تعالى ، وظاهر هذا القول يدل على فساد اعتقاد من قاله . ولا يصح
إيمان من قال لنبي قد ظهرت معجزته ، - وقال : إن الله يأمرك بكذا - : أتتخذنا هزؤا ؟
ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره . وذهب
قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية ، على نحو ما قال القائل للنبي
صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله . وكما قال له
الآخر : اعدل يا محمد . وفي هذا كله أدل دليل على قبح الجهل ، وأنه مفسد للدين .
قوله تعالى : " هزوا " مفعول ثان ، ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين الواو والهمزة .
وجعلها حفص واوا مفتوحة ، لأنها همزة مفتوحة قبلها ضمة فهي تجري على البدل ، كقوله :
" السفهاء ولكن " . ويجوز حذف الضمة من الزاي كما تحذفها من عضد ، فتقول : هزؤا ،
كما قرأ أهل الكوفة ، وكذلك " ولم يكن له كفؤا أحد " . وحكى الأخفش عن عيسى بن
عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ففيه لغتان : التخفيف والتثقيل ، نحو العسر
واليسر والهزء . ومثله ما كان من الجمع على فعل ككتب وكتب ، ورسل ورسل ، وعون
وعون . وأما قوله تعالى : " وجعلوا له من عباده جزءا " [ الزخرف : 15 ] فليس مثل هزء وكف ء ، لأنه على
فعل من الأصل . على ما يأتي في موضعه ( 1 ) إن شاء الله تعالى .
مسألة : في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب
تعظيمه ، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد . وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل ،
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح والأئمة بعده . قال ابن خويز منداد : وقد
بلغنا أن رجلا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيد الله فقال :
جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش ؟ فقال له : لا تجهل أيها القاضي ! فقال له
عبيد الله : وأين وجدت المزاج جهلا ! فتلا عليه هذه الآية ، فأعرض عنه عبيد الله ، لأنه
رآه جاهلا لا يعرف المزح من الاستهزاء ، وليس أحدهما من الآخر بسبيل .
هامش
( 1 ) راجع ج 16 ص 69