فرجموها فرجمتها معهم . كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري من
كتابه ، فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها ، فذكر في كتاب أيام الجاهلية .
وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شئ من هذا الخبر في القردة ، ولعلها من المقحمات
في كتاب البخاري . والذي قال البخاري في التاريخ الكبير : قال : لي نعيم بن حماد أخبرنا هشيم
عن أبي بلج وحصين عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود
فرجموها فرجمتها معهم . وليس فيه " قد زنت " . فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاري
دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية . وذكر
أبو عمر في الاستيعاب عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبد الله " معدود في كبار التابعين من
الكوفيين ، وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك ، لان رواته مجهولون .
وقد ذكره البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي مختصرا قال :
رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها - يعنى القردة - فرجمتها معهم . ورواه عباد بن
العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا . وأما القصة بطولها فإنها تدور على عبد الملك بن مسلم
عن عيسى بن حطان ، وليسا ممن يحتج بهما . وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى
غير مكلف ، وإقامة الحدود في البهائم . ولو صح لكانوا من الجن ، لان العبادات في الإنس والجن
دون غيرهما " . وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة : ( ولا أراها إلا الفأر )
وفى الضب : ( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) وما كان مثله ، فإنما كان ظنا وخوفا
لان يكون الضب والفأر وغيرهما مما مسخ ، وكان هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل
أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا ، فلما أوحى إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف ،
وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ ، وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله
عن القردة والخنازير : هي مما مسخ ؟ فقال : ( إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم
نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ) . وهذا نص صريح صحيح رواه عبد الله بن مسعود
أخرجه مسلم في كتاب القدر . وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر ،
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 442
مساهمون: القرطبي
ص٤٤٢