مسألة : في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات ، وكان
النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ، ويشرب الماء البارد العذب ، وسيأتي
هذا المعنى في " المائدة " ( 1 ) و " النحل " ( 2 ) إن شاء الله مستوفى .
قوله تعالى : ( اهبطو مصرا ) تقدم معنى الهبوط ( 3 ) ، وهذا أمر معناه التعجيز ، كقوله
تعالى : " قل كونوا حجارة أو حديدا " [ الاسراء : 50 ] لأنهم كانوا في التيه وهذا عقوبة لهم . وقيل : إنهم
أعطوا ما طلبوه . و " مصرا " بالتنوين منكرا قراءة الجمهور ، وهو خط المصحف . قال
مجاهد وغيره : فمن صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين . وروى عكرمة عن ابن عباس
في قوله : " أهبطوا مصرا " قال : مصرا من هذه الأمصار . وقالت طائفة ممن صرفها
أيضا : أراد مصر فرعون بعينها . استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول
القرية ، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه . واستدل الآخرون بما
في القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم ، وأجازوا صرفها . قال
الأخفش والكسائي : لخفتها وشبهها بهند ودعد ، وأنشد :
لم تتلفع بفضل مئزرها * دعد ولم تسق دعد في العلب
فجمع بين اللغتين . وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا ، لأنك لو سميت امرأة بزيد
لم تصرف . وقال غير الأخفش : أراد المكان فصرف . وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة :
" مصر " بترك الصرف . وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب وقراءة ابن مسعود . وقالوا :
هي مصر فرعون . قال أشهب قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ، ذكره
ابن عطية والمصر أصله في اللغة الحد . ومصر الدار : حدودها . قال ابن فارس ويقال :
إن أهل هجر يكتبون في شروطهم " اشترى فلان الدار بمصورها " أي حدودها ، قال عدي :
وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا
هامش
( 1 ) راجع ج 6 ص 263 .
( 2 ) راجع ج 10 ص 136 .
( 3 ) راجع ص 319 .
( 4 ) البيت لجرير . والعلب : أقداح من جلود يحلب فيها اللبن ويشرب . يقول هي حضرية رقيقة العيش
لا تلبس لبس الاعراب ولا تتغذى غذاءهم . ( شرح الشواهد ) .