العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة . احتج من لم يوجبه بأن قال :
لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به ، كما لو ترك سجدة أو ركعة ،
ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ، ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك
ركعة أو سجدة وأتى بهما . وفي حديث عبد الله بن بحينة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا ، فلما فرغ
من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم ، فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو ،
لان الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم .
واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك . وهي : -
السابعة عشرة - على خمسة أقوال :
أحدها : أن الجلوس فرض والتشهيد فرض والسلام فرض . وممن قال ذلك الشافعي
وأحمد بن حنبل في رواية ، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة ، وبه قال
داود . قال الشافعي : من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة
عليه وعليه سجدتا السهو لتركه . وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد . واحتجوا بأن
بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض ، لان أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما
خرج بدليل وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) .
القول الثاني : أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب ، وإنما ذلك كله سنة مسنونة ،
هذا قول بعض البصريين ، وإليه ذهب إبراهيم بن علية ، وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على
الأولى ، فخالف الجمهور وشذ ، إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله . ومن
حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رفع الامام
رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته ) وهو حديث لا يصح على ما قاله
أبو عمر ، وقد بيناه في كتاب المقتبس ( 1 ) . وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس .
هامش
( 1 ) في بعض الأصول : ( المفتين ) .