السادسة - أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه ، وافتتح كتابه بحمده ، ولم يأذن في ذلك
لغيره ، بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال : " فلا تزكوا أنفسكم هو
أعلم بمن اتقى " ( 1 ) . وقال عليه السلام : ( احثوا في وجوه المداحين التراب ) رواه المقداد .
وسيأتي القول فيه في " النساء " ( 2 ) إن شاء الله تعالى .
فمعنى " الحمد لله رب العالمين " أي سبق الحمد مني لنفسي أن يحمدني أحد من العالمين ،
وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة ، وحمدي الخلق مشوب بالعلل . قال علماؤنا :
فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار .
وقيل : لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده ، حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل ، فاستفراغ طوق
عباده هو محل العجز عن حمده . ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله : ( لا أحصى
ثناء عليك ) . وأنشدوا :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح * فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وقيل : حمد نفسه في الأزل لما علم من كثره نعمه على عباده وعجزهم عن القيام بواجب
حمده فحمد نفسه عنهم ، لتكون النعمة أهنأ لديهم ، حيث أسقط عنهم به ثقل المنة .
السابعة - وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من " الحمد لله " .
وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج : " الحمد لله " بنصب الدال ، وهذا على إضمار
فعل . ويقال : " الحمد لله " بالرفع مبتدأ وخبر ، وسبيل الخبر أن يفيد ، فما الفائدة في هذا ؟
فالجواب أن سيبويه قال : إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك :
حمدت الله حمدا ، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله ، والذي
ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله . وقال غير سيبويه . إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله
ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا ، فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال . وفي الحديث : ( من
شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) . وقيل : إن مدحه عز وجل
لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده ، فالمعنى على هذا : قولوا الحمد لله . قال الطبري : " الحمد لله "
هامش
( 1 ) آية 32 سورة النجم .
( 2 ) راجع ج 5 ص 246