لم تنكره العرب حين سمعوه ، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم ، وقد قال الله عز وجل :
" وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن " الآية . ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح
الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : " بسم الله الرحمن الرحيم " قال سهيل بن عمرو :
أما " بسم الله الرحمن الرحيم " فما ندري ما " بسم الله الرحمن الرحيم " ! ولكن اكتب ما نعرف :
باسمك اللهم ، الحديث . قال ابن العربي : إنما جهلوا الصفة دون الموصوف ، واستدل
على ذلك بقولهم : وما الرحمن ؟ ولم يقولوا : ومن الرحمن ؟ قال ابن الحصار : وكأنه رحمه الله
لم يقرأ الآية الأخرى : " وهم يكفرون بالرحمن " . وذهب الجمهور من الناس إلى أن
" الرحمن " مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ، ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها ، فلذلك
لا يثني ولا يجمع كما يثنى " الرحيم " ويجمع .
قال ابن الحصار : ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن
ابن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله عز وجل أنا الرحمن
خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته " . وهذا نص
في الاشتقاق ، فلا معنى للمخالفة والشقاق ، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له .
الثالثة والعشرون - زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب " الزاهر " له : أن
" الرحمن " اسم عبراني فجاء معه ب " الرحيم " . وأنشد ( 1 ) :
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم * بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا -
أو تتركون ( 2 ) إلى القسين هجرتكم * ومسحكم صلبهم رحمان قربانا
قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن : وقال أحمد بن يحيى : " الرحيم " عربي و " الرحمان "
عبراني ، فلهذا جمع بينهما . وهذا القول مرغوب عنه .
وقال أبو العباس : النعت قد يقع للمدح ، كما تقول : قال جرير الشاعر . وروى مطرف
عن قتادة في قوله عز وجل : " بسم الله الرحمن الرحيم " قال : مدح نفسه . قال أبو إسحاق :
هامش
( 1 ) قائله جرير ، والينبوت : ضرب من الشجر .
( 2 ) انظر شرح القاموس واللسان مادة " رحم " .